اغلاق

كلمة إلى زهرة المجتمع، بقلم: د. آثار حاج يحيى - الطيبة

إنّ تخصيص يوم محدّد للاحتفاء بالمرأة ما هو إلّا تعبير رمزيّ عن تقدير المجتمعات لعطاء النساء ومثابرتهنّ ودورهنّ المجتمعيّ والتّربويّ؛ فالمرأة عماد المجتمع، قد تكون نصفه عددًا، ولكنّها كلّ


د. آثار حاج يحيى ، محاضرة في كليّة بيت بيرل

المجتمع جوهرًا، وذلك لأنّها تعدّ الأجيال النّاشئة وتزرع بهم بذور الحياة. وأظنّ أنّ هذا التّقدير الرّمزيّ للمرأة من خلال تخصيص يوم للاحتفاء بها لا يعكس واقع تعاملنا مع المرأة، وهذه المناسبات الشّكليّة لا علاقة لها بجوهر رؤيتنا للمرأة واحترامنا الدّاخليّ لها.
 من هنا، أعتبر أنّ الاحتفاء بالمرأة يجب ألّا يقتصر على يوم واحد من أيّام السّنة، بل يجب أن يكون تقديرًا مستمرًّا مترجمًا إلى سلوك مساند للمرأة وداعم لها، ونافض عنها غبار المعتقدات الخاطئة الّتي تحدّ من تطوّرها، هذا التّقدير يجب أن يقترن بمحاولات تغيير المنظومة الفكريّة الأبويّة المتجذّرة في عقولنا، والّتي تنعكس في سلوكنا بشكل واعٍ ومقصود أحيانًا، وبشكل غير واعٍ وغير مقصود في كثير من الأحيان، وبالمقابل طرح بديل لهذه المنظومة تتحقّق فيه مبادئ العدل والمساواة والشّراكة الحقيقيّة، وهذا هو التّحدّي الأكبر في مجتمعنا. 
ورغم أنّنا قطعنا أشواطًا في مجال مساواة المرأة بالرّجل، وقد خرجت المرأة للعمل والتّعليم بعد سنوات طويلة من العبوديّة، التّسلّط والظّلام، ورغم الارتفاع الملحوظ في نسبة الطّالبات في المؤسّسات الأكاديميّة، وتفوّقها على نسبة الطّلّاب- البنين، هذا بالإضافة إلى أنّ المرأة تتبوّأ الآن أعلى المناصب، فنجدها تشغل منصب مديرة ومحامية وطبيبة ومفتّشة ومعلّمة... إلّا أنّنا، كمجتمع طيباويّ بشكل خاصّ وعربيّ بشكل عامّ، لم نصل إلى المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وما زالت
 المرأة مهمّشة في الحيّز الثّقافيّ والسّياسيّ والقياديّ، والأهمّ من ذلك، أنّ النّظرة إلى المرأة وإلى قدراتها ودورها المجتمعيّ لم تتغيّر، فنجد المرأة تخرج إلى العمل وتحقّق ذاتها على الصّعيد الشّخصيّ والجماعيّ، وتشارك مشاركة فعّالة في البناء الاجتماعيّ، ونجد بالمقابل الكثير من الرّجال الّذين ما زالوا يؤمنون أنّ دور المرأة يجب أن يبقى داخل جدران المنزل، وهم في الوقت ذاته يرضون بعمل زوجاتهم لضرورة مساعدتهم في الأعباء الماديّة. هذه الازدواجيّة في القيم أو لنقل انفصام السّلوك عن المنظومة الفكريّة يعدّ من أبرز المشاكل المجتمعيّة الّتي يعاني منها مجتمعنا العربيّ، إذ نجد الكثير من الأشخاص الّذين لا يتصالح فكرهم مع سلوكهم ومع الواقع الّذين يعيشون فيه. هذا بالإضافة إلى المشكلة الأقسى والأعمق والأكبر، بنظري، ألا وهي مشكلة كون المرأة العربيّة جلّاد نفسها، بمعنى أنّها هي أوّل من يفرض القيود ويمارس أساليب القمع على نفسها وعلى الأخريات.
من هنا، ألخّص كلامي بقولي إنّ المرأة حقّقت الكثير من الأهداف في جميع مجالات الحياة، وذلك بالمقارنة مع الماضي، ولكنّها لم تصل إلى المكانة الّتي تستحقّها، وهي مكانة تتساوى فيها مع الرّجال في الحقوق والواجبات؛ لذلك يبقى أمامها الكثير من التّحدّيات والثّورات ومسيرات النّضال في سبيل الحصول على هذه المكانة، لأنّ الحقوق، في أغلب الأحيان، تنتزع ولا تعطى، وثورات الشّعوب في وجه العبوديّة والظّلام يجب أن تبدأ بثورة المرأة في وجه مظاهر التّسلّط والسّيطرة.
كلمة أخيرة أوجّهها إلى كلّ النّساء المكافحات المناضلات في كلّ بقاع الأرض، كلّ في مجالها ووظيفتها، سرن واثقات الخطى، اعملن واجتهدن وثقن بقدراتكنّ ولا تدعن أي عقبة يفرضها الآخرون أن تقف في طريق سعيكن للحصول على حقوقكن، لا ترضين بهوامش الحياة، بل كنّ، أنتنّ، مركز الحياة وجوهرها. لكنّ عطر المحبّة وأصدق الأمنيات.



هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق