اغلاق

علي حيدر: مجتمعنا يعيش حرب شوارع وتخطينا الخطوط الحمراء

قال المحامي علي حيدر من عبلين، في حديث لموقع بانيت وصحيفة بانوراما، حول موضوع العنف المتفشي في اوساطنا، إن "مجتمعنا العربي يعيش حالة حرب شوارع

 
المحامي علي حيدر 

وحرب أحياء وقد تخطينا جميع الخطوط الحمر.
من الضروري ان نتغلب على حالة العجز وان نربي الامل ونستعيد الثقة بالذات وان نخلص جميعا في مكافحتنا لهذه الظاهرة الخطيرة. من غير الممكن التسليم لهذا العنف المضطرم في النار والذي أصبح جزء من الحياة اليومية العادية. يجب ان يواجه العنف باستراتيجية مزدوجة: من جانب مواجهة العنف بحزم ومن جانب آخر التأسيس والعمل على بلورة مشروع أخلاقي وصياغة بيان تربوي عربي قابل للتطبيق والتنفيذ.   
هنالك شرائح من المجتمع لم ينجح أحد بالتواصل معها وتعيش في حالة اغتراب وخصوصا من بين الشباب.
لقد فشلت الشرطة بأخذ مسؤوليتها بجدية في كل ما يتعلق بقضايا العنف، ومنع انتشار السلاح".

كيف تقرأ ازدياد واتساع ظاهرة العنف؟

لم يعد يمضي يوم واحد أو عدة ساعات،  دون أن نسمع أو نقرأ أو نرى من خلال وسائل الإعلام، أو بشكل مباشر، عن حادث إطلاق نار، أو عملية قتل، او اعتداء على أشخاص وممتلكات، جزء منها سطوٌ مسلحٌ، أو قتل شاب، أو طفل أو امرأة. فقد أصبحت ظاهرة العنف ظاهرة حاضرة في بلداتنا العربية، بل آخذة بالازدياد والتسارع والاتساع، مما يشكل خطرًا جسيمًا على الأمن الشخصي والجماعي، وسببًا في تردّي وتدهور المجتمع وتفككه وضعفه. بل ان العنف يدمر ويقوض المجتمع من الداخل.
لا يمكن الفصل بين الفصل بين المختلفة للعنف:الجوانب التربوية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، النفسية والتاريخية. كما لا يمكن أن نضع جميع أنماط العنف (المجتمعي، الأسري، السياسي..الخ) في وعاء واحد. كما أنه لا يمكن التعاطي مع كافة أساليب العنف (الكلامي، النفسي والجسماني) بالرغم من أن جميعها مرتبطة بنفس الطريقة والنهج.

ما هي أسباب ظاهرة العنف؟
نعتقد بأن أحد أهم أسباب انتشار العنف هو العنف السياسي الذي تمارسه الدولة- أي عنف الدولة التي تحتكر استعمال وسائل القوة وتستعمل تقنيات متطورة لتحقيق ذلك، لا يمكن أيضًا الفصل بين العنف وبين معاملة الدولة والأغلبية اليهودية للمجتمع الفلسطيني سواء ارتبط ذلك بسياسات الحكومة أو بظاهرة تفشي العنصرية والتي انتقلت من مرحلة التصريحات والأقوال وإبداء المواقف المعادية إلى مرحلة الخطوات العملية إذا كان ذلك من خلال سن القوانين والاعتداء على المواطنين والأماكن العامة والمقدسات وهدم المنازل. من هنا فإن هذه المسلكيات تشكل أرضية خصبة لنمو ظاهرة العنف ولذلك المطلوب من الدولة أن تكف وتمتنع عن العنف وتغير سياستها، وأن تأخذ حقوق العرب والقانون الدولي بعين الاعتبار، بالإضافة إلى ذلك عليها أن تتخذ خطوات إيجابية من قرارات وقوانين وتنفيذها، وخصوصًا أن تتواجد الشرطة في حال حصول عنف مجتمعي، في الوقت المناسب وليس كما نهجت في السنوات الأخيرة، حيث أنها تصل إلى مكان وقوع الشجار أو الحادث في الغالب بعد انتهاء الحدث ووقوع ضحايا وأضرار. وفي المقابل نرى الشرطة حين يتم هدم منزل، تتجمهر وتستعد وتتهيأ وتعد العدة.
بالإضافة إلى العنف السياسي الذي تمارسه الدولة هنالك جوانب وأسباب أخرى تؤثر على تفشي العنف، جزء منها مرتبط إلى حد كبير بسياسات الحكومة التمييزية ضد المجتمع العربي وجزء منها مرتبط بالمجتمع وبنيته الاجتماعية والثقافية والنفسية، فعلى مستوى مسؤولية الدولة: فإن البطالة والفقر والوضع الاقتصادي المتردي وغلاء المعيشة والكثافة في المسكن (مما يؤدي إلى الاحتكاك والضغط النفسي) وعدم توفير فرص العلاج للمرضى وخصوصًا المرضى النفسيين، وعدم توفير الموارد الكافية لأقسام الرفاه الاجتماعي، جميعها أسباب واضحة ويمكن معالجتها بشكل فوري إذا توفرت النية والإرادة لدى الحكومة.
أما على مستوى المجتمع العربي: فإن عملية تحول وانتقال المجتمع العربي من مجتمع قروي وتقليدي تقف العائلة في مركزه، وتكون القرية مكانًا محدّدًا ومعرّفًا إلى الانفتاح والتأثر بالعولمة والحداثة (مع كل إيجابياتها وسلبياتها) والتغيرات التقنية والاجتماعية، هذا التحول السريع وغير المراقب، وغير الموجّه وغير المنضبط شكّل صدمة حقيقية وزحزحة للمجتمع تجعله في حالة تخبط وغير قادر على التعاطي بعقلانية وروية ومسؤولية مع المتغيرات، بل التعاطي بانفعال وعفوية وارتجال، إضافة إلى ذلك، فإن غياب القيادات التمثيلية (مع كل إيجابياتها وسلبياتها) وعدم وجود قيادة وحدوية قادرة ومسؤولة مرتبطة بالجماهير وذات هيبة أدت إلى فقدان السيطرة على تطور الأزمات الاجتماعية والتدهور نحو العنف.
إن إهمال الحيز العام وتفشي ظاهرة الفساد في المؤسسات العامة وخصوصًا في كثير من السلطات المحلية أدت إلى انعدام ثقة الفرد بنفسه وبممثليه. إن هذا الوضع منح الفرصة للعديد من الأفراد والمجموعات استعمال العنف لحل المشكلات أو لتفريغ الغضب والإحباط أو للانتقام، أو لتثبيت بعض الأعراف والتقاليد والمسلكيات المهترئة ومحاولة رد الاعتبار من شعور التبخيس والذل.
إن منظومة القيم التي يحتكم إليها المجتمع العربي آخذة أيضًا بالتأزم وذلك يظهر بوضوح من خلال ظهور عدة مراكز قوى اجتماعية داخل المجتمع العربي تتبنى مجموعات قيم متفاوتة ومختلفة، وهذه المراكز غير قادرة على الحوار والتواصل مما يشكل فوضى وميل نحو التصادم بدلًا من استثمار هذه الاختلافات والمغايرة كفرصة للحوار والتعددية وبناء مجتمع متكامل الأدوار لما فيه خير المجتمع.
إن تشرذم الهوية الوطنية، والتي تنادي باحترام وتقدير الحيّز العام، تؤدي لعدم الاهتمام بالمصلحة العامة وازدياد الإنفرادية الإنسانية، وأيضًا الشعور بعدم الإنتماء.
إن ظواهر انتشار الأسلحة، وسهولة امتلاكها، والمخدرات والمسكرات تشكل مدخلا مشجعًا ودافعًا لاستعمال العنف.
إن محاولة تحديد الحرية الفردية للأشخاص في المجتمع وفرض وإملاء قناعات ومسلكيات عليهم تشكل لغمًا قابلًا للانفجار في كل لحظة، علاوة على ذلك ظواهر العائلية والطائفية والجهوية تشكل بنى للتجنيد وتصعيد وتضاعف العنف.
يبدو أحيانًا أن المجتمع ونتيجة لبنية ثقافية معينة تمجد الرجولة والبطولة تتيح حيزًا معينًا مشروعًا لاستعمال العنف والقوة السلبية بدلًا من الاستئناف وتحدي هذه المنظومة والنسق وخلق قوة تستند على مركبات إيجابية كالمعرفة والمروءة والحكمة واحترام الحيز العام، وحل الصراعات بصورة رشيدة وعقلانية وما إلى ذلك من قيم
إيجابية.
كما أنه لا يمكن أن نغفل عن الجهل والتخلف والأهمال وهما  تربة خصبة لاندلاع العنف وعدم التمكن من السيطرة عليها واحتوائها.


ما هي ابعاد ونتائج واسقاطات ظاهرة العنف؟
إن محاولة أولية لفهم نتائج وإسقاطات ظاهرة العنف، تقودنا إلى الاستنتاج الواضح بأن العنف يدمر ويؤذي النفس، والجسد والممتلكات، كما أنه يدمر الفرد والعائلة، يؤدي إلى تفكك المجتمع وتحطمه ويؤدي إلى الرضوخ وفقدان الأمل من قبل مجموعة كبيرة من الناس والى الجبروت والسيطرة والقوة من قبل مجموعة صغيرة وهذا يقلب نظام المجتمع رأسًا على عقب ويخلق حالة من القلق والاضطراب والتوتر المستمر وعدم الاطمئنان بل العجز والمهانة والقهر والخوف، وفي محاولة لتطوير نظرية للعنف في المجتمع المقهور يقول د. مصطفى حجازي في كتابه الهام " التخلف الاجتماعي" - "مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقصور": "هنالك حاجة إلى نظرية نوعية تنطلق من واقعه (واقع المجتمع) تحديداً.. ليس من الممكن وضع نظرية كهذه إلا انطلاقًا من دراسات ميدانية عدة. تحتاج إلى وقت كبير وتضافر جهود عدد من الباحثين في العلوم الإنسانية. إن "فرانز فانون" من الرواد الذين حاولوا فهم هذا العنف وسلطوا أضواء قيمة عليه، خصوصًا العنف المرتد إلى الذات، والعنف الموجه إلى الآخر المثيل الذي هو في الواقع صورة للذات ومرآة تعكس مهانتها وعجزها".
إننا نتفق مع حجازي وفانون، كما أننا نؤكد ونضيف بأن في حالة الشعوب المقهورة حلقة العنف مفرغة، والعنف يولد عنفًا وهكذا يحدث تدمير المجتمع من الداخل، نتيجة لانشغال المجتمع المقهور بالخلافات الداخلية عوضًا عن تركيز الجهود في محاولة فك معادلة وجدلية القاهر-المقهور ومحاولة التحرر والانعتاق من حالة القهر.

ما هي الأساليب والأدوات والخطوات التي يمكن استعمالها من أجل مقاومة ظاهرة العنف والحد منها؟
إن عملية مقاومة العنف، وإجراء التغيير هي عملية تتطلب الشمولية والتكامل والموارد والتخطيط والخطوات العملية قصيرة الأمد وبعيدة الأمد. ليس هنالك حلًا سحريًا أو مركبًا واحدًا يشكل مفتاحًا ورافعة إذا وضع مجهود للتأثير عليه، من الممكن أن تنتهي أو تنقرض الموجه العاتية من العنف، بل يجب العمل في مجالات متعددة وبأساليب واستراتيجيات متكاملة سواء على المستوى العام أو مستوى الحالات العينية، لذلك نقترح صيغة وعدة أفكار ترتكز على ركيزتين، الأولى تواجه العنف وتقلل منه والثانية تعمل على بناء مجتمع آمن وسليم ومستقر كجزء من مشروع كبير لإحداث نهضة شاملة، وفيما يلي بعض الأفكار والاقتراحات العملية:
1. يجب العمل على ترسيخ ثقافة الحوار والتواصل والتسامح والحرية والمشاركة وكرامة الانسان على مستوى الفرد والأسرة والمدرسة والمؤسسة والبلدة والمجتمع.
2. يجب استنكار ورفض بشكل فاعل مظاهر وأشكال العنف المجتمعي وتطوير وسائل احتجاج.
3. تأسيس أطار مجتمعي في كل بلدة يضم كافة القوى المؤثرة في القرية من مربين وأعضاء السلطة المحلية، رجال الدين، أخصائيين وشخصيات، واعتبار هذا الإطار وظيفته وضع تصور محلي لمواجهة العنف وبناء المجتمع الآمن. مجمل الأطر المحلية تتأطر في إطار حركة اجتماعية واسعة في المجتمع العربي، تعمل على مقاومة العنف وبناء مجتمع آمن ونشر القيم الإيجابية مستخدمة وسائل الاتصال والتواصل الألكترونية والمكتوبة.
4. يجب تعميق التعاون بين الجهاز التربوي، المجلس المحلي، رجال الدين، الشرطة والمجتمع من أجل تفادي أحداث العنف وفي حصولها التدخل السريع لمنعها أو الحد من انتشارها أو معالجتها.
5. يترتب على القيادات المحلية والقطرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية أن تشكل نموذجًا للمحاكاة في المستوى الخلقي ووكلاء لعملية التغيير.
6. يجب على الشرطة أخذ مسؤوليتها بجدية في كل ما يتعلق بقضايا العنف، وأن تعمل على منع انتشار السلاح والمخدرات والمسكرات.
7. يجب على الحكومة وضع خطة شاملة ممولة وتشمل لوائح زمنية بالتنسيق مع المجتمع العربي وقيادته من أجل تحسين الوضع الاقتصادي وخصوصًا إيجاد أماكن عمل، تخفيض نسبة البطالة وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
8. يجب محاسبة ومعاقبة من يعتدي من أجل ردع المجتمع، ومن ثم إعادة تأهيل من يستعمل العنف وإجراء عملية تنشئة مجددة ليكون إنسانًا صالحًا في المجتمع.
9. على السلطة المحلية المبادرة لإصدار بيانات ومجلات ومعلومات وفعاليات لمقاومة العنف وتفعيل الحياة الثقافية بما في ذلك المراكز الجماهيرية وإقامة نوادٍ للشباب والملاعب الرياضية، وأماكن للمشي. كما يترتب على أقسام الرفاه الاجتماعي في السلطة المحلية وضع برنامج عملي لحماية النساء والاطفال المعنفين وإجراء محاضرات ومؤتمرات وندوات وفعاليات حاراتية، وعلى مستوى البلد لزيادة الوعي، كما يترتب على رجال الدين والمجتمع أخذ دور تعبوي وتوعوي.
10. يترتب على الباحثين العرب في العلوم الاجتماعية والإنسانية إجراء دراسات وأبحاث مجتمعية لبحث ظاهرة العنف، أسبابها، نتائجها وأساليب التعاطي معها، ومن ثم التفكير في كيفية استثمار مشاعر القهر والاضطهاد بشكل إيجابي وبنّاء. والخروج من حالة الهوان واللامبالاة ودراسة حالات أخرى في العالم.
11. إن من اهم النقاط الملحة هي إجراء نقاش جدي حول منظومة القيم وأساليب وطرق التعامل والتعاطي مع العولمة والحداثة. ومن أجل إحداث تغيير جماهيري يجب العمل على ثلاثة مركّبات:
أ‌- الدمج بين تقوية الهوية والإنتماء الوطني (الوعي) ب- تقوية الجسد (أطر وأماكن الرياضة والإستجمام) ج- الفكر (أطر تربوية لا منهجية).
12. يجب الملاءمة ما بين دور البيت والمدرسة في عملية تربية الأطفال والشباب، ووضع برنامج واضح للتربية والتنشئة على القيم. فعلى سبيل المثال في دول أمريكا اللاتينية أخذت الامهات المسؤولية ودورًا مركزيًا للحدّ من ظواهر العنف التي كان يشارك أبناؤهن فيها.

هل من كلمة أخيرة؟
من الضروري ان نتغلب على حالة العجز وان نربي الامل ونستعيد الثقة بالذات وان نخلص جميعا في مكافحتنا لهذه الظاهرة الخطيرة. من غير الممكن التسليم لهذا العنف المضطرم في النار والذي أصبح جزء من الحياة اليومية العادية. يجب ان يواجه العنف باستراتيجية مزدوجة: من جانب مواجهة العنف بحزم ومن جانب آخر التأسيس والعمل على بلورة مشروع أخلاقي وصياغة بيان تربوي عربي قابل للتطبيق والتنفيذ.





لمزيد من اخبار شفاعمرو وطمرة اضغط هنا
لمزيد من الاخبار المحلية اضغط هنا

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار محلية
اغلاق