اغلاق

العنف التخطيطي، بقلم : أ.د. راسم خمايسي ، كفركنا

تشهد قرانا ومدننا العربية الفلسطينية ارتفاعا في حالات العنف ، والذي تجاوز العنف الكلامي إلى حالات الاعتداء الجسدي وحتى القتل . هذه الظاهرة المتزايدة ،


بروفيسور راسم خمايسي

لا تأتي من فراغ . هناك اجتهادات تفسر ارتفاع ظاهرة العنف هذه . ويتركز تفسير ظاهرة العنف المتزايدة في مجتمعنا على الجوانب الاجتماعية ، الاقتصادية والنفسية ، بالإضافة إلى المناخ " الجيوسياسي " الذي يعيشه مجتمعنا والذي يتأثر كذلك من مجتمعات يهودية مجاورة ، رغم الفروقات بينهم من حيث الاصلانية ، المنبت ومنظومة القيم والأعراف التي توجه سلوك وتصرفات كل مجتمع .

" العنف التخطيطي "
لا أريد أن ادخل في مناقشة الاجتهادات في تفسير ظاهرة العنف التي نراها ترتفع في مجتمعنا يوما بعد يوم، ونعاني منها كلنا . بل اترك ذلك إلى أخوة علماء ومتخصصين في علم الاجتماع ، علم الإنسانيات وعلم النفس الاجتماعي وآخرون . ما أود أن أبرزه في هذه المقالة الموجزة ، هو محاولة إضاءة على " العنف التخطيطي " الذي يتضح من خلال دور التخطيط الهيكلي لقرانا ومدننا في زيادة وخفض ظاهرة العنف. هذا الموضوع الذي قلمنا وجدنا كتابات عربية بشأنه .
ان الراصد للأحداث يجد أن التخطيط الهيكلي يشكل مركب مركزي في صياغة وإنتاج حيزنا الذي نعيش به . ونحن نستهلكه رغم دورنا المحدود في إنتاجه وصياغته ليلبي طموحاتنا ، متطلباتنا الحالية والمستقبلية. وان العداء غير المبرر ‘في بعض الحالات‘ بين التخطيط الهيكلي، بصفته عملية اجتماعية وليس فقط منتوج هندسي ، وبين الخطاب والسلوك العام في مجتمعنا كان له دور في رفع حالة العنف في قرانا ومدننا.

اعتداء مبرمج !
أستطيع أن ادعي بان عدم تخطيط مدننا وقرانا العربية بشكل لائق ومنسجم مع ظرفية ، طموحات رغبات واحتياجات المواطنين ، هو عنف بحد ذاته . وهذا يعني أن عدم التخطيط أو فرض تخطيط مستورد غريب من قبل السلطات الحكومية على نسيج البلدة العربية التي تطورت بشكل عضوي هو اعتداء مبرمج له تأثير ليس فقط على المدى القصير بل على المدى البعيد ويزيد من ظرفية تكون منبت ومنشأ لظواهر عنف مختلفة ، والتي تتمثل ليس فقط بهدم بيوت، أو نزاعات بين جيران على حدود ارض أو تقليص الحيز العام والاعتداء عليه ، بل يتجاوز ذلك الأمر إلى خلق حالة غربة بين المواطن وبيئته ويؤدي به الأمر إلى نزع الراحة والطمأنينة من حاضره ومستقبله.

القرية كائن حي ينمو
يجب أن نعي أن القرية والمدينة هي كائن حي ينمو ويتطور، يمرض ويشفى . هذا الكائن الحي ؛ القرية والمدينة ، نحن الذين ننتجه ونصيغ مركباته ؛ وهو نتاج منظومة مركبة من السلوكيات والتصرفات المجتمعية، الاقتصادية والسياسية والبيئية ..... الخ .
الراصد لتطور قرانا ومدننا وحالة التمدن والمدينة التي نمر بها؛ إلى ترافق سيرورات الانتقال من نمط سكني قروي إلى نمط سكن مديني، أو انه مزيج وخلط بين أنماط سلوك واستهلاك للحيز أحدثت حالة من التمدن المشوه ، الذي نشا دون تخطيط موجه أو استعداد مجتمعي تمكن من تلبية متطلباته.
فما معنى أن تتحول بلدة معينة من قرية صغيرة يعيش بها بين ثلاثة إلى خمسة آلاف مواطن إلى بلدة مدينية يعيش بها أكثر من عشرين ألف مواطن ومن المتوقع أن يصل العدد خلال العقدين القادمين إلى 40 ألف نسمة ؟ .
هذه الزيادة السكانية تفرض استعداد وإعداد تخطيطي وإداري لتوفير المتطلبات المركبة لتلبية احتياجات زيادة عدد السكان ؛ مثل شبكة طرق مناسبة، حيز عام يشمل مرافق عامة لائقة تنسجم مع احتياجات وتطلعات السكان ، فرص عمل تلبي احتياجات القوى العاملة كميا ونوعيا التي ستدخل سوق العمل ... الخ. 
وهذا يعني أن زيادة السكان هو مؤشر لتحولات كثيرة في البلدة يجب أن نستعد لها، ونعد بلداننا لها لكي نوفر البيئة والمنبت لمجتمع صالح وسليم، وإذا لم نقم بذلك فان هذا المخلوق ، المكون والذي اسمه مدينة أو قرية سوف تدب به الأمراض وسيعاني من حالة مرضية مزمنة ، تشكل دافع مركزي في تكوين وإنشاء ظاهرة العنف.

غياب التخطيط الهيكلي الحيزي
أي أن العنف الذي نشهده في قرانا ومدننا ، احد أسبابه الرئيسة غياب التخطيط الهيكلي الحيزي المناسب والمنسجم من التحولات التي تجري في المجتمع ليلبي طموحات واحتياجات السكان العرب . هكذا فان مرض قرانا ومدننا والذي يتمثل في شح الأراضي المخصصة للتطوير السكني ما يزيد من ارتفاع سعر الأراضي وتكاليف توفير سكن كريم ، وان عجز كثير من الأسر عن منالية مريحة لسكن كريم مرده إلى تخطيط غير سليم.
كذلك فان شبكة الطرق التي نشأت وتطورت غير منسجمة ومناسبة مع توسع بلداتنا وزيادة أزمات السير نتيجة زيادة عدد السيارات والحركة بها. فيما يلي أسوق مثالا لكي أوضح حالة المرض التي تعاني منه بلداتنا وقرانا والمتعلق بشبكة الطرق . حيث أن شبكة الطرق تشكل الشرايين التي تغذي أجزاء القرية ، أو المدينة؛ كما هو الأمر بشان الشرايين في جسم الإنسان. وعندما يحدث انغلاق شرياني في جسمنا فإننا نذهب للطبيب لأجل إجراء عملية قسطرة لفتح الشرايين، خاصة القريبة من القلب.
وكذلك الأمر بالنسبة لشبكة الطرق فإننا نشاهد ونسمع ان بعض الطرق الرئيسة في البلدة مكتظة أو بها ازدحام مروري عالي خاصة في مراكز بلداتنا ، وان الطرق في الأطراف ضيقة لا تخدم السكان . وكثيرا ما شاهدنا وسمعنا عن نزاع بين سائقين تقابلا في نفس الطريق الذي لا يتسع إلا لسيارة واحدة ؛ وكل واحد لا يستطيع أولا يرغب أن يتنازل للآخر ، أو نزاع على موقف سيارات ، مما أدى الأمر إلى شجار بينهم وصل إلى حد القتل.
وان عدم إعداد واستعداد شبكة الطرق في بلداتنا التي تكبر وتنو لاستيعاب زيادة السيارات وزيادة حركة الناس وغياب شبكة مواصلات عامة ، واعتداء على أرصفة الطرق، هذا إذا توفرت، وعدم فصل واضح بين حركة السيارات والحركة الراجلة التي تخدم الأولاد والنساء ، هو عنف مستشري في بلداتنا ، يجب إجراء عملية جراحية للبلدة من خلال تخطيط وإدارة حضرية سليمة لاجتثاثه.

غياب الحيز العام
كما أن غياب الحيز العام ؛ مثل الساحات العامة ، الحدائق العامة والملاعب تدفع السكان في بعض الأحيان مكرهين لاستخدام الطرق ، المدارس رغم ضيقها لغايات لم تعد لها مثل أعراس وأتراح مما يخلق خللا في استخدام الأراضي في داخل بلداتنا العربية.
هذا الاعتداء والذي يتمثل في شح الحيزات العامة من ناحية ؛ واستخدام قسري وغير مناسب للحيزات العامة المحددة القلية المتوفرة هو اعتداء على بيئتنا ، مما يخلق حالات مرضية في بلداتنا تدفعنا إلى حالة الغربة والاغتراب في مدننا وقرانا أو تؤدي إلى امتعاض متواصل من تصرفات شاذة أصبحت شبه مقبولة ومبررة؛ وهي تشكل منبت وبيئة فاسدة لإنتاج العنف .  ومرد ذلك بالأساس إلى تخطيط سيئ؛ إذا توفر أصلا لمدننا وقرانا.

ما هي أسباب ودوافع ظاهرة العنف التخطيطي في بلداتنا ؟
والسؤال الذي يطرح ما هي أسباب ودوافع ظاهرة العنف التخطيطي في بلداتنا ؟. هناك أسباب متعددة والتي يمكن أن اقسمها إلى قسمين:
الأول أسباب خارجية غير متعلقة بالمجتمع, بل بسياسات وممارسات المؤسسات الحكومية, الثاني أسباب داخلية متعلقة بالمجتمع المحلي. تكونت بين هاتين المجموعتين من الأسباب والدوافع جدلية و"تآزر"؛ ساهم في إنتاج حالة العنف التخطيطي. يجب أن أشير وأؤكد أن دور العوامل الخارجية هي اكبر في إنتاج العنف التخطيطي؛ وهي كذلك مولدة ومنشأ للعوامل الداخلية ودافعة لها في ظرفية البلدات العربية الفلسطينية.
العوامل الخارجية متعلقة بسياسة الدولة الإسرائيلية بمجمل مؤسساتها التي تعمل أو تؤثر على التخطيط والتنمية في البلدات العربية. سياسة الدولة المعلنة والمبطنة هي استخدام التخطيط الحيزي كأداة ضبط وحصر الامتداد العمراني للمواطنين العرب. وان التخطيط الهيكلي الحيزي هو جزء أو مركب من مركبات مصفوفة الضبط والتبعية التي تفرضها السلطات الحكومية على المواطنين بإشكال متعددة. هكذا فان العنف التخطيطي والاعتداء على المواطنين من قبل الدولة يبدأ بمصادرة أراضي خاصة ونقلها لصالح الدولة وتحويلها بعد ذلك إلى منفعة ومصلحة مواطنين يهود.
هذه المصادرات قلصت حيز المواطنين العرب. وطورت حالة أن كل مالك يسعى لحفظ أرضه لمصلحة ومستقبل أبنائه ويعارض بشدة تخصيص جزء من أرضه للمرافق العامة. كما أن عدم تخصيص أراضي عامة/دولة بشكل كاف وبسعر مناسب ومريح لاستخدام المواطنين أو رصدها للمرافق العامة هو اعتداء مباشر وغير مباشر على المواطنين. كذلك فان تقليص مناطق نفوذ السلطات المحلية العربية هو اعتداء من قبل الدولة على المواطنين وعلى السلطات المحلية العربية لعدم تخصيص أراضي يمكن تخطيطها وتطويرها لصالح المواطنين. أما مركب الاعتداء الثالث بعد مصادرة الأرض، وتقليص مناطق النفوذ، فهو إعداد تخطيط ضابط ومانع لتطور مناسب للمواطنين العرب. إن الاعتداء التخطيطي التي قامت وتقوم به الدولة على المواطنين والذي يشمل جر مواطنين أبرياء إلى المحاكم بحجة بناء بدون ترخيص ، فرض غرامات علية, وقمة الأمر يصل عند هدم البيت,   ساهم كثيرا في خلق ونشوء ظاهرة العنف التخطيطي والذي كان له دور في نشوء وزيادة العنف الاجتماعي.

الاعتداء التخطيطي
أما الاعتداء التخطيطي الذي تقوم به مؤسسات التخطيطي الرسمية مشكل من:
1) عدم إيفاء الدولة بالتزاماتها نحو مواطنيها بإعداد تخطيط هيكلي يلبي احتياجاتهم. فان الدارس للمبادرات الحكومية لإعداد مخططات هيكلية للبلدات العربية يجد أنها جاءت متأخرة، وأنها انطلقت من منطلقات مخالفة لمنطق التخطيط الذي يسعى إلى توجيه التطور وتمكينه وليس استخدامه كأداة سيطرة وضبط ومحاربة توسع البلدات العربية. تقع على الدولة مسؤولية وواجب إعداد تخطيط مناسب ومنسجم مع احتياجات المواطنين. ومن حق المواطن على الدولة أن توفر له البيئة الحضرية المخططة والممكنة للتوسع والتطور على المستوى القطري، الإقليمي والمحلي. ومع مزيد الأسف فان الدولة تتعامل مع مواطنيها العرب كرعايا، ليسوا بأولوياتها، وفي بعض الحالات تتعامل معهم كأعداء يجب حصرهم، والتخطيط يشكل أداة طيعة بيد المؤسسات الرسمية لأجل ضبط توسع البلدات العربية.
2) إعداد تخطيط سيء هو اعتداء ومنشأ سيء للعنف الاجتماعي. لا نستطيع أن نقول بان الدولة ومؤسسات التخطيط لم تعد مخططات للحيزات التي يعيش بها المواطنين العرب وكذلك لمعظم القرى والمدن العربية المعترف بها. ولكن الاعتداء والعنف التخطيطي يكمن في إعداد مخططات تتجاهل احتياجات ومتطلبات العرب على المستوى القطري والإقليمي. فان بعض المخططات لا تخصص مساحات كافية لتوسع البلدات العربية؛ أو أنها لا تقر وجود قرى قائمة؛ مما أنشأت ظاهرة ما تعرف باسم قرى غير معترف بها. أي أنها موجودة ولكن مؤسسات التخطيط والمخططات الهيكلية القطرية واللوائية تتجاهل وجودها؛ وكأنها غير موجودة ويجب إزالتها. هل يوجد عنف اكبر من هذا!!!. أي أن الدولة بمؤسساتها تعلن حرب على قرى موجودة لأجل إزالتها. وكل ذنب هذه القرى أنها ما زالت صغيرة أو أنها تتعارض مع سياسات الدولة الحيزية التي تسعى إلى تقليص الحيز الذي يعيش به العرب، وتنمق الأمر باعتبارات لها منطقها؛ مثل جدوى اقتصادية، حفظ قيم بيئية حيزية، المحافظة على السكان من تلويت بيئي مصدره مناطق صناعية مجاورة، حفظ الحيز العام وعدم إهدار أراضي. رغم منطق هذه التنميقات, ولكنها تنطبق على قرى العرب، أما القرى اليهودية فتقام وتدعم لأنها تستخدم كأداة للتهويد. وان تقليص مساحات البلدات العربية المعترف بها يطبق من خلال تعيين مناطق محاذية للبلدات العربية كمناطق أحراش، حدائق وطنية، مناطق آثار، أراضي بملكية يهودية....الخ. هذا التقليص يؤدي إلى تحقيق سياسة تخطيطي لتكثيف البناء في المسطحات القائمة، والإعلان عن بيوت قائمة خارج المسطحات وكأنها مقامة بدون ترخيص. ولا يمكن ترخيصها، بل يجب هدمها. هل يوجد عنف أكثر من هدم بيت أقيم لإيواء أسرة لا يوجد لديها حل سكني بديل؛ خاصة وان هدم البيت يعتمد على ادعاء بأنه أقيم بدون ترخيص وخارج حدود المخطط الهيكلي المعد؛ أي أن التخطيط الهيكلي الذي يجب أن يكون مصدر الحل، تحول إلى مصدر المشكلة والعنف، نظرا لاستخدامه بشكل غير مناسب.
3) إعداد مخططات مفروضة من قبل مؤسسات التخطيط؛ تعتمد على ذهنية، لغة، ومضامين تخطيط مستوردة ومنقولة من بيئات مختلفة وتطبق لأجل تسريع عملية التغيير الاجتماعي والحيزي. يجب أن نشير انه خلال العقدين الأخيرين أعدت مخططات هيكلية كثيرة للبلدات العربية، هذه المخططات بادرت إليها وزارة الداخلية ومؤسسات حكومية أخرى؛ وان دور السلطات المحلية والمجتمع كان متلقي ويعالج الأمور كرد فعل. كان المنطق المعلن من إعداد هذه المخططات هو توفير الاحتياجات التخطيطية للبلدات العربية. في بعض الأحيان كان توسيع مسطحات البناء في البلدات العربية، ولكن على الغالب فان هذه المخططات أعدت بطريقة من فوق، وتجاهل في أحيان كثيرة متطلبات السكان، وغلبت الضوابط التخطيطية القطرية الإقليمية على الاحتياجات التخطيطية المحلية؛ مما أدى ذلك إلى إعاقة في عملية التخطيط والانجاز واستمرار عملية التخطيط والتصديق فترة طويلة مما أحدث فروقات كبيرة بين التخطيط والواقع. هذا التخطيط المفروض من قبل مؤسسات الدولة ادخل أدوات ومضامين ما زال المجتمع المحلي غير مستعد لها، مما زاد من معارضة السكان للتخطيط. هكذا فان إعداد تخطيطي بلغة وبذهنية غريبة مفروضة، وإعاقة عملية إقرار التخطيط وعدم اخذ آراء ومشاركة السكان بجدية في وضع مضامين وأدوات تخطيط؛ هو جزء من الاعتداء وخلق حالة من العنف التخطيطي في بلداتنا العربية.
4) إن إقصاء العرب من المشاركة الفعالة في مؤسسات التخطيط وإعداد المخططات وإقرارها في بلداتهم؛ هو جزء من سياسة إقصاء مبرمجة وممنهجة تسعى إلى إبقاء العرب خارج اللعبة التي تصيغ وتنتج حيزهم العام والخاص؛ والذي يشكل التخطيط احد الأدوات المركزية في توزيع الموارد أي موارد الأرض والحقوق التخطيطية التي تشكل أسس ترخيص وإقامة المشاريع السكنية، الاقتصادية والخدماتية. وان إبقاء العرب بحالة إقصاء هو اعتداء على ابسط حقوق المواطنة. إن التعامل معنا نحن العرب الفلسطينيون عمليا كرعايا، مع أننا معرفين رسميا مواطنين هو عنف دولة تجاه مواطنيها وله إسقاطات وتبعات مباشرة على القرارات التخطيطية، لغة التخطيط، توزيع موارد الأرض والتخطيط، وتخلق تمييز بنيوي وإجرائي تجاه المواطنين العرب يؤثر على صياغة حيزهم وإنتاجه.

عوامل داخلية
بالمقابل وبالموازاة مع العوامل الخارجية فان عوامل داخلية متعددة تتعلق بالمجتمع العربي؛ أصحاب الأراضي، مستهلكي التخطيط والسلطات المحلية, له دور في نشوء وتعميق العنف التخطيطي؛ ويمكن إيجاز هذه العوامل بالنقاط التالية:
1) قلة المبادرة التخطيطية من قبل السلطات المحلية. حيث أن معظم السلطات المحلية تعي أهمية وجود مخططات هيكلية وتخطيط تنموي للمدن والقرى، ونجدها كثيرا ما تتحدث عنه كرافعة أو معيق تنموي؛ بالرغم من الحديث الكثير إلا أن الفعل هو نسبيا قليل؛ أي أن ترجمة الأقوال إلى أفعال محدود. وان مرد قلة الترجمة هذه مرده إلى شح موارد مالية لإعداد التخطيط، خبرة قليلة بفهم كيفية التعامل مع لغة التخطيط ومركبات عملية التخطيط، التخوف من المواجهة مع أصحاب الأراضي، ممثلي الحمائل في حالة اخذ قرارات تخطيطية يكون بها تعارض مصالح وتخصيص أراضي للمرافق العامة، حضور محدود في مؤسسات التخطيط، بما في ذلك مؤسسات التخطيطي المحلية، مثل اللجنة المحلية للتخطيط والبناء, حيث ان لرئيس السلطة المحلية دور مهم في عملها. تبني ذرائع وحجج  بان مؤسسات التخطيط القطرية والإقليمية لا تلبي الاحتياجات التخطيطية للمواطنين....الخ. إن قلة أو التلكؤ في المبادرة التخطيطية, له دور في شح التخطيط في البلدات العربية وخلق ضائقة تخطيطية ومواجهة سياسات التخطيط القطرية واللوائية المجحفة.
2) تخوف جزء من أصحاب الأراضي استخدام أدوات تخطيط تؤدي إلى استملاك وتخصيص جزء من أراضيهم للمرافق العامة، مثل الطرق، الساحات العامة...الخ. وان شكل قسائم الأرض وتوزيعها غير المتساوي بين المالكين من حيث الموقع، المساحة وكمية المالكين المسجلين والمتصرفين, تخلق إشكاليات ومعيقات أمام إجراء عملية تخطيط منظمة دون اعتراضات كثيرة وممارسة ضغوطات على رؤساء السلطات المحلية والمخططين. كذلك فان الفردانية في التعامل مع التخطيط واستخدام أدوات قانونية تؤمن ربما حقوق الفرد، ولكن تعيق عملية تخطيط المجتمع ككل, تساهم في إعاقة التخطيط وربما تؤدي إلى صراعات بين مالكي ارض على توزيع موارد الأرض وموارد التخطيط المخصصة للتطوير.
3) رغم الحاجة إلى التخطيط ودوره في حل مشاكل التنمية والدفاع على المواطنين، ما زال معظم المواطنين يتحرجون في المشاركة في عملية التخطيط؛ ويحاولون تجنب المشاركة في إنتاج التخطيط الحيزي الذي يلبي احتياجاتهم. وكما نعلم حسب قوانين الطبيعة لا يوجد فراغ. وان تلكؤهم, تجنبهم او حتى رفضهم في المشاركة مردها إلى التخوف من أن مشاركتهم "تشرعن" بعض قرارات تخطيطية مجحفة؛ أوان قرارات تخطيطية تؤدي إلى خلق تعارض مصالح مع-بين أصحاب أراضي وملاكين تربطهم بهم علاقة جوار أو مشاركة في البلدة؛ لذلك هم يتجنبون المواجهة من خلال المشاركة؛ وإبقاء الساحة في إجراء عملية التخطيط ووضع مضامين التخطيط وفرض لغة تخطيط وخطاب تخطيطي مفروض من فوق. وان تجنب المشاركة هو جزء من توافق غير موفق وغير معلن وإنما مبطن بين المؤسسات الرسمية التي تسعى إلى إقصاء العرب من إنتاج تخطيطي للحيز, وقبول العرب غير المعلن بهذا الإقصاء بواسطة إقصاء ذاتي طوعي خوفا من إجراء الفعل التخطيطي والبقاء في حالة رد الفعل وفي بعض الأحيان الشكوى والتباكي.
4) اعتداء المواطنين على الحيز العام مثل الطرق، المباني العامة، الأرصفة، كل ذلك هو عملية عنف، في بعض الحالات مبرر لضيق المساحات المعدة لاستخدام المواطنين، وفي حالات أخرى.على الغالب, يكون نتيجة غياب الردع المجتمعي والمؤسساتي. في كلا الحالتين تنشا حالة بها يتكون أساس عنف حيزي ومصدر لعنف اجتماعي.

ضائقة تخطيطية
لا شك أن العنف التخطيطي كما حاولنا عرضه بإيجاز في هذه المقالة يساهم في زيادة العنف الاجتماعي. وان الضائقة التخطيطية التي تعاني منها بلداتنا العربية سوف تزيد من ضائقة الحيز العام والخاص وتحول دون توفر موارد تخطيطية تلبي احتياجات المواطنين. إن زيادة السكان وارتفاع مستوى الحياة والذي يتمثل بزيادة السيارات في البلدات العربية وارتفاع سعر الأراضي وتفتت ملكية الأراضي بين الورثاء، وضيق شبكة الطرق، وإشكاليات إدارة الأراضي المخططة بما في ذلك تطبيق أدوات تخطيط جديدة مثل إعادة توحيد وإفراز الأراضي, كل ذلك يشكل مصدر توتر داخل بلداتنا التي تعاني من أمراض بيئية وتخطيطية وتشكل منبت لزيادة العنف الاجتماعي. لذلك يجب علينا أن نعي دور العنف التخطيطي ومواجهته ليس فقط بالحديث عنه بل بالمبادرة إلى إعداد مخططات والمشاركة الواعية والفعالة في عملية التخطيط وزيادة وعي المواطنين بدور التخطيط للخروج من الحالة المرضية التي تعاني منها بلداتنا، وبالموازاة خلق وسائل ضغط وائتلافات داخل بلداتنا تقاوم  وتواجهه المؤسسات لتغيير واقعنا لأجل خلق بيئة ينسجم بها التخطيط والتطوير. وإنا مع الذين يقولون أننا نستطيع أن نغير حالنا إذا أردنا, عملا بقولة تعالى:‘لا يغيير الله ما بقومٍ حتي يغيروا ما بانفسهم‘. ويجب علينا أن نقوم بدورنا في مقاومة العنف بواسطة الاستعداد له. وان التخطيط الواعي يشكل أداة طبيعية وجيدة للاستعداد له وتخفيفه.



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق