اغلاق

السكري من النوع الثاني في الوسط العربي – ما زال هنالك ما نفعله!

في دولة إسرائيل، يعتبر مرض السكري من النوع 2 أكثر انتشارا لدى السكان العرب، وخصوصا بين النساء العربيات. عدا عن ذلك فان جيل ظهور السكري لدى السكان العرب،


الصورة للتوضيح فقط

أكثر انخفاضا منه لدى السكان اليهود. على سبيل المثال، في إطار عمل بحثي تم إجراؤه في مستشفى تل هشومير، تبين أن ربع السكان العرب بعمر 58 عاما باتوا يعانون من السكري من النوع 2، في مقابل نفس النسبة لدى السكان اليهود، لكن بعمر 69 عاما (11 عاما أكثر!).
كذلك تُظهر المعطيات أن موازنة مستويات السكر في الدم تقل في الوسط العربي مقارنة بالسكان اليهود، وأنها تتعلق، من ضمن ما تتعلق، بالوضع الاجتماعي–الاقتصادي. المجتمعات ذات المستوى الاجتماعي–الاقتصادي الأضعف تميل أكثر للتعرض للسكري وذلك يعود الى كون شروط حياتهم أصعب، معدل دخلهم أقل، وتعتمد تغذيتهم على الكربوهيدرات بصورة أساسية، ولذلك تكون مستويات الإصابة بالمرض لديهم أعلى. كما يساهم المستوى الاجتماعي–الاقتصادي المنخفض بخلق مستويات منخفضة من توازن السكري في الدم نظرا لأن هذه الفئات المجتمعية تستصعب شراء أدوية السكري الحديثة، والتي تعتبر أكثر فاعلية وأمانا، لكنها أيضا أغلى ثمنا بالمقارنة مع الأدوية السابقة.
هذه صورة لوضع ليس سهلاً. فانتشار السكري يزداد في كل العالم. والوضع واضح تماما لدى العرب في إسرائيل. نحن في مشكلة جدية باتت تؤثر على الأجيال القادمة. تواصل المعطيات بالارتفاع، ونحن نشهد اليوم المزيد والمزيد من حالات الإصابة بالسكري من النوع 2 حتى لدى الأطفال بسبب السمنة وقلة "الحركة"، وخاصة لدى السكان العرب، وهو مرض كنا نشهده في الماضي فقط لدى السكان البالغين. 

حوار جديد بشأن الصحة يؤتي بثماره
إحدى نقاط الضوء التي باتت تظهر هي الوعي الآخذ بالازدياد شيئا فشيئا لدى الناس. فالمزيد والمزيد من الأشخاص باتوا يخرجون للمشي، ويقتنون اشتراكات في النوادي الرياضية. على الرغم من عدم وجود بحث أو معطيات حول الموضوع، لكن من يعرف الحياة في المدينة العربية أو القرية العربية، يستطيع أن يقول أيضا إن هنالك تطرقا وتعاملا جديدا مع موضوع الكربوهيدرات الذي ينعكس من خلال اهتمام اكثر بالتعرف على محتويات الطعام من النشويات وغيرها. هنالك أيضا مشاريع أكثر في المدارس تتمحور حول التغذية الصحية والنشاط الرياضي، وهذا أمر بالغ الأهمية. المهمة هي واحدة ووحيدة، منع انتشار مرض السكري ونحن نعلم أنه بإمكان الوقاية من خلال التوعية ومن خلال النشاطات التربوية أن تقلل أعداد المنضمين إلى دائرة السكري، أو على الأقل أن تؤدي إلى تأخير ظهوره.  

نشاطات وقائية مباركة
بحسب المعطيات، اعتبارا من سن 30 عاما بالمعدل، يقوم غالبية الناس إجراء فحوص دم روتينية وبذلك يتم اكتشاف مبكر للسكري او مرحلة ما قبل السكري. من شأن الكشف المبكر عن السكري أن يمنعالمضاعفات والتعقيدات الناجمة عن المرض.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى النساء الحوامل اللواتي يخضعن لفحص تحميل السكر خلال فترة الحمل، حيث يتم تشخيص جزء منهن كمن تعانين من سكري الحمل. هؤلاء النساء، وحتى لو كانت مستويات السكر لديهن سليمة بعد الولادة، يتواجدن ضمن دائرة الخطورة الزائدة للإصابة بالسكري مستقبلا، ولذلك يطلب منهن إجراء تغيير جذري في نمط حياتهن من أجل تفادي أو تأجيل ظهور المرض. 

مشاكل العلاج الأولي
السكري هو مرض غير مؤلم، وهذا احد الأسباب التي تجعل المرضى ينكرون مجرد وجود المرض، ويجعلهم لا يتخذون الاحتياطات اللازمة من أجل موازنة الحالة المرضية. من هنا فإننا نواجه الكثير من الحالات التي يبدأ المريض فيها بالاهتمام بموازنة مستويات السكر فقط بعد ظهور مضاعفات السكري!
يجدر التشديد في هذا السياق على الفوائد الكثيرة الناجمة منموازنة مستويات السكري والتي يتم التوصل إليها في حال إعطاء المريض علاجا مكثفا في بداية المرض للحفاظ على HBA1C (الهيموغلوبين الغليكوزيلاتي والذي يعكس معدل السكر المتراكم على مدار 3 شهور) عند مستويات أقل من 6.5% في بداية المرض. من شأن هذا التوجه العلاجي أن يمنع الكثير من المضاعفات مثل الضرر بأداء الكلى، الضرر بالعيون، الضرر بالأعصاب وأمراض القلب. ومن ناحية أخرى ، من الممكن أن يكون التنبّه المتأخر محدود الفاعلية والنتائج، وهذه خسارة! 
لحسن حظنا وسعادتنا، فقد توسع نطاق علاجات السكري بصورة كبيرة، وأصبح يشمل مجموعة كبيرة من العلاجات التي من شأنها الحفاظ على توازن مستويات السكر دون تعريض المرضى إلى حالات من النقص الحاد في سكر الدم ، بل إن قسما منها يساهم في إنقاص الوزن، الأمر الذي يساعد بصورة جدية جدا في موازنة مرض السكري. من ضمن الأدوية الجديدة نسبيا، مجموعة الأدوية التي تحافظ على مستويات السكر دون التسبب بحالات نقص سكر الدم وتكاد تكون بدون أي أعراض جانبية (مثبطات الـ DPP4)، أدوية تساعد على فقدان السكر من خلال البول وكذلك إنقاص الوزن دون التسبب بحالات من نقص سكر الدم (SGLT2I) وأدوية تُعطىبالحقن، بعضها مرة واحدة في الأسبوع وتساهم بالإضافة إلى موازنة السكر في إنقاص الوزن بصورة ملحوظة دون التسبب بحالات من نقص سكر الدم (GLP1RA). لكن هذه الأدوية غالبا ما تكون أغلى ثمنا بالمقارنة مع الأدوية القديمة، غير أن الفوائد على المدى البعيد تشكل مبررا قويا لشراء مثل هذه الأدوية – لقد آن الأوان "للاستثمار" بالصحة!
وللتلخيص نقول إن التغيير الحقيقي في حجم مشكلة السكري في الوسط العربي يحتاج أيضا إلى نظرة أوسع على مستوى المسؤولين عن الجهاز الصحي، وكذلك إلى التزام شخصي من قبل كل مريض تجاه صحته. في تقرير وزارة الصحة الذي تم نشره عام 2010، تمت الإشارة بشأن نسبة المواظبة  لدى السكان العرب على اقتناءعلاج الأمراض المزمنة، وأن هذه النسبة لا تتعدى الـ 43%. هذه معطيات منخفضة جدا تستدعي إجراء تغيير جذري في التعامل مع المرض. 
من الواجب بذل الكثير من الجهود من أجل تفادي المرض من خلال تشجيع التغذية الصحيحة والنشاط الجسدي الرياضي في المدارس، من الواجب تشجيع التشخيص المبكر للأشخاص المصابين بالسكري أو مرحلة ما قبل السكري لأن من شأن التدخل الطبي في هذه المرحلة أن يكون مفيدا بصورة كبيرة. وطبعا، بالنسبة للأشخاص الذين باتوا مصابين بالمرض، من المهم جدًا إجراء مراقبة بصورة متواصلة وإجراء الزيارات الدورية لطبيب العائلة، مستشار السكري، ممرضة السكري وأخصائية التغذية... هذه الطواقم مستعدة وترغب باحتضان هؤلاء المرضى، وبمرافقتهم من أجل الحفاظ على التوازن ومنع مضاعفات المرض.

* الكاتب : أخصائي الأمراض الباطنية والسكري والغدد الصماء في مستشفى رمبام، ومستشار السكري والغدد الصماء في صناديق مرضى

لدخول زاوية الصحة والمنزل اضغط هنا

 


 

لمزيد من الصحة اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
الصحة
اغلاق