اغلاق

مقال: ما بين النمطية والتحديث - المعلمة جيهان أنموذجًا

انتشر في الآونة الأخيرة في مواقع التّواصل الاجتماعيّ وفي وسائل الإعلام العربيّة والعبريّة فيديو مصوّر للمعلّمة جيهان جابر من الطّيبة.
Loading the player...

ويُظهر الفيديو طريقة تدريس جديدة ومبتكرة في تدريس اللّغات، حيث استخدمت المعلّمة آلة موسيقيّة، وهي آلة الطّبلة، لتشارك طلّابها في قراءة النّصّ من خلال تلحينه وغنائه. وفي أعقاب انشار هذا الفيديو ارتأينا التّعقيب عليه من وجهة نظر تعليميّة- تربويّة.
لا شكّ في أنّ هنالك حاجة ملحّة لتغيير أساليب التّدريس التّقليديّة، وذلك من خلال دمج طرائق تدريس جديدة ومبتكرة. وليس الهدف من ذلك نسف القديم والبحث عن الجدّة لذاتها، وإنّما الهدف هو تحقيق معايير التّعلّم العميق، أو ما يُطلق عليه "التّعلّم ذو معنى". ومن أهمّ هذه المعايير تحقيق المتعة التّعليميّة وإرشاد الطّالب في التّوصّل إلى المعنى، دون أن تُقدّم إليه المعاني في هيئتها النّهائيّة. وفي رأيي، نجحت المعلّمة جيهان بخلق جوٍّ من الحيويّة والمتعة التّعليميّة، بحيث جعلت البيئة الصّفيّة بيئة تعجّ بالنّشاط والحيويّة والمتعة. صحيح أنّ التّرديد السّلبيّ الّذي يظهر في الفيديو قد لا يخدم هدف تحفيز مهارات التّفكير العليا، إلّا أنّ طريقة التّدريس المعتمدة مقبولة ومحبّذة إذا ما اقترنت بفعّاليّات أخرى تحفّز الفكر، وبذلك يكون الدّرس متكاملًا من حيث دمج مهارات التّفكير العليا بالإضافة إلى المتعة التّعليميّة. وهنالك احتمال كبير أن تكون المعلّمة قد دمجت فعّاليّات كهذه في دروسها، فالمقطع المصوّر لا يغطّي إلّا جزءًا صغيرًا من الدّرس.
إنّ تميّز المعلّم بالطّابع الإبداعيّ، يؤثّر إيجابًا على قدرات الطّلّاب الإبداعيّة، ويحفّز لديهم أنماط التّفكير الإبداعيّ. فالطّلّاب، برأيي، مرآة معلّمهم (كما وأنّ الأبناء مرآة آبائهم)، يعكسون مزاياه الإبداعيّة، إن كان مبدعًا؛ وبالمقابل، يعكسون نمطيّته وروتينيّته، إن كان نمطيًّا. فما أحوجنا لخلق جيل جديد مبدع، يفكّر خارج الصّندوق وخارج المنظومات الفكريّة المتوارثة. وقد فضّل يوليوس قيصر الإبداع على التّعلّم، لأنّ الإبداع هو مفتاح التّعلّم الأساسيّ، فقال: "الإبداع أفضل من التّعلّم؛ فالإبداع جوهر الحياة". كما وأشار الشّاعر أدونيس إلى دور التّربية الإبداعيّة في فتح آفاق الإنسان واطّلاعه على عوالم لا محدودة ومطلقة في قوله: "الأفكار الخلّاقة ليست بيوتًا، إنّها حقول وأشجار". ثمّ إنّ الإبداع لا يحتاج إلى أدوات ووسائل خارقة واستثنائيّة، فالمبدع يستطيع أن يخلق من أبسط الأمور أفكارًا خلّاقة، كالشّاعر الحديث الّذي يخلق من أبسط الألفاظ، الّتي تبدو للوهلة الأولى غير شاعريّة، يخلق منها قصيدة في قمّة الفنّ والجمال.
هذا بالإضافة إلى أنّ الشّخص الّذي يتوجّه لمتلقٍّ طفل يجب أن يلائم نفسه لهذه الفئة العمريّة، وذلك من خلال ملاءمة المضامين لجمهور الأطفال، والأهمّ ملاءمة الوسائل والطّريقة لهذا الجمهور. فأدب الأطفال، والّذي يتضمّن أيضًا الكتب التّعليميّة إلى جانب النّصوص الأدبيّة وفقًا للتّعريفات الحديثة، يتميّز بمجموعة من الخصائص والمعايير الخاصّة به باعتباره "أدب فئة"، ومن أهمّ هذه الخصائص توظيف المعاني الحسّيّة المتمثّلة في المبصرات والمسموعات والملموسات، لأنّ الحواسّ هي أبواب معرفة الطّفل. هذا بالإضافة إلى ضرورة توظيف التّكرار، والإيقاع الموسيقيّ، والحوار، والتّمثيل الحركيّ، والصّور، والألوان، وتمثيل الأدوار وغيرها من الوسائل الّتي تثير الطّفل وتشعره بالمتعة والتّشويق، وهو الهدف الأساسيّ من أدب الأطفال، ومن بعده يأتي الهدف التّربويّ- التّعليميّ، فالطّريقة هي الّتي تحدّد إثارة الطّفل أو تنفيره، من هنا فضّلها الباحثون على الهدف التّربويّ. ونجد لهذا الفلسفة التّربويّة جذور في تراثنا العربيّ، إذ حثّنا عليّ بن أبي طالب على مخاطبة النّاس على قدر عقولهم، بمستوًى يفهمون به رسائلنا، فقال: "حدّثوا النّاس بما يعرفون". وبالعودة إلى طريقة المعلّمة جيهان فقد طبّقت هذه النّظريّة التّربويّة، فجعلت للنّصّ إيقاعًا ممّا يسهّل عمليّة تذوّقه أوّلًا، ثمّ حفظه وفهمه.   
وفي الختام، أرتأي القول إنّ أي تجديد أو تحديث مجتمعيّ، في شتّى المجالات، سواء التّربويّة أو الثّقافيّة أو السّياسيّة أو الدّينيّة أو غيرها، يحتاج إلى سيرورة، ويُقابل غالبًا في البدايات بالرّفض والتّعنّت، خاصّة في المجتمعات التّقليديّة، إلى أن يأخذ مكانه الطّبيعيّ في حياة المجتمعات والشّعوب مع مرور الزّمن، وهذا ما توصّل إليه علماء الاجتماع في رصدهم لسيرورات التّحوّلات والتّطوّرات المجتمعيّة. وهذا ما ينطبق، أيضًا، على مجتمعنا، ورّبما يفسّر رفض بعض الأطراف للتّحديث المتواضع الّذي قامت بها المعلّمة.  


د. آثار حاج يحيى


المعلّمة جيهان جابر ، صورة من تسجيل الفيديو


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .



إقرأ في هذا السياق:
المربية الطيباوية جيهان جابر:‘ليقل المستهزئون ما شاؤوا‘


لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا
لمزيد من اخبار هنا الطيبة اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق