اغلاق

المدارس قبل ’النكبة’: نشيد للعَلم وزفّة وكتابة بالفحم!

استرد لاجئون حكاياتهم المدرسية قبل "النكبة"، واستجمعوا قصص مناهجهم، ومعلميهم، ورفاق الدراسة. وأعادت الحلقة الستين من سلسلة" ذاكرة لا تصدأ" لوزارة


أحد الرواة

الإعلام واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة، جمع عشرات القصص التي وثقتها خلال 6 سنوات لرجال ونساء تجرعوا ما عصف بهم عام 1948.
وقص السبعيني هزاع عبد الرحمن الغول، سيرة مدرسة الكفرين، التي تعلم فيها صفه الأول، وتذكر صفوفها المحاطة بالأشجار، وتوقف عند الأستاذين نايف من بلدة يعبد، ونعيم دروزة من نابلس.
وتابع: "درسنا اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم، وما زلت أحفظ حتى اليوم شعرًا للقهوة يقول: (أنا المحبوبة السمرا، وأجلى في الفناجين، وعود الهند لي عطر، وذكري شاع في الصين)".
وأضاف أنه "كان و4 من رفاقه يتقاسمون مقعدًا واحدًا، ولم تكن هناك مدارس للإناث، وذات مرة دخل طلبة يهود لمدرسته، ولم يسمحوا لهم بالدخول، وطردوهم من القرية".

"من كان يختم الصف السادس يصبح معلمًا"
وقال الثمانيني محمد إسماعيل "إن مدرسته كانت تضم أربعة صفوف، الواحد بطول ستة أمتار وبعرض مشابه، وعددنا أربعة عشر طالبًا، ولا أنسى المربي أبو نزار العكاوي، وعبد الغني من طولكرم، وتعلمنا القراءة والقرآن والحساب، وأحفظ جداول الضرب حتى اليوم، أما في  اللغة العربية فنشدنا كثيرًا، وأحفظ: (للورد عندي محل، لأنه لا يمل، كل الرياحين جند، وهو الأمير الأجل، إن غاب عزوا وباهوا، حتى إذا عاد ذلوا)".
وفق الراوي، "لم يحظ الطلبة بفرصة التعليم فوق الصف الرابع، وتحتم على الراغبين الانتقال إلى عكا، وحين تخرجهم من الصف السادس، كانت تقام لهم الاحتفالات وتوزع الحلوى. ومن كان يختم منهم الصف السادس، يصبح معلمًا".

زيّ موحّد
ويسرد  الثمانيني محمد صالح عرجا، المولود في بلدة الفالوجة قضاء غزة، حكاية المدرسة التي تعلم فيها للصف السادس: "كان  عندنا 8 غرف، وضمت بلدتنا مدرسة للبنات، وفي سن الخامسة نذهب إلى كُتّاب الشيخ عبد الحميد النشّاش، الذي كان مُقعدًا ويزحف على الأرض، ويمسك بعصاه الطويلة لمعاقبة من لا يحفظ دروسه، وعنده تعلمنا القرآن وبعض الدروس العربية".
انتقل عرجا إلى كُتّاب الشيخ جبر النجار، وكان متعلمًا أكثر، ودرس التاريخ القديم منذ العصر الحجري. وفي عمر السابعة، انتقلنا لمدرسة الحكومة، كان زينا البنطال القصير والكاكي اللون (صيفًا شتاء)، والقميص الكاكي أيضًا، والجوارب الخضراء، مع حلق الشعر. أما البنات فكن يلبسن الأسود والقبة البيضاء، وأغطية الرأس، ويحملن حقائب قماش، يصنعنها بأيديهن.
يقول: "كان ترتيب الصفوف يبدأ بالأول الابتدائي حتى السابع الابتدائي، ثم الأول والثاني والثالث والرابع الثانوي(أو مترك لندن)، ومن كان يجتازه يصبح مسؤولاً عن الكليات".

"نشيد العلم"
تتلمذ عرجا على يد سامي وزهدي أبو سفيان من غزة، وأكرم رزق، ورمضان حنفي من تل الترمس المجاورة، والشيخ علي حنفي من غزة، وأحمد العقيلاني. وفي الطابور الصباحي، كان يختار الأساتذة سبعة أو ثمانية طلاب لنشيد العلم، فيرددون: "علمي يا علم، يا علم العرب أشرقي، وأخفقي في الأفق الأزرق، يا علم، يا نسيج الأمهات في الليالي الحالكات، لبنيهن الإباء، كيف لا نفديك، كل خيط فيك، قطرة من دمعهن، خفقة من صدرهن، قبلة من ثغرهن، يا علم، سر إلى المجد بنا، وابني من الوطن، قد حلفنا للفناء، حلفة ترضيك، إننا نسقيك، من دماء الشهداء، من جراح الكبرياء، دمت للمجد سماء، يا علم"
مما يستقر في ذاكرة العرجا، مشاهدة أفعى كبيرة خلال حصة التعليم الزراعي، كانت مغطى بالزعانف، وهي أول مرة يرى فيها أفعى بهذا الحجم، وبقي مرعوبًا  فترة طويلة، رغم أن الشبان الأكبر قتلوها بالفؤوس.
وقصّت السبعينة زهية محمد عليان، المولودة في أم الزينات، قصة ضياع صفها الأول، فقد سكنت مع عائلتها في مخيم الجلزون، وكانت المدرسة باردة جدًا، دون وسائل تدفئة، فرفضت الذهاب، وبقيت في الخيمة، ولم تدرس غير 15 يوما، وتستطيع اليوم كتابة اسمها.

طالبة واحدة!
وأعاد الثمانيني عبد القادر عبد الهادي الزمن إلى مدرسة صبارين، التي ضمت أربعة صفوف، فيما سبقها كُتّاب لشيخ اسمه محمود. وقال: "دخلت مدرسة الشيخ في التاسعة، وكنا نتعلم العربية والحساب والقرآن، وكان الأستاذ يكتب على لوح مصنوع من التنك بفحم أسود. وانتقلت إلى الصف الثاني لكبر سني، ولكن بعد أسبوع طلب من المعلم الجديد كتابة العدد 250، فلم أعرف، وأعادني للصف الأول. ودرسنا سليمان الدرزي، وسهيل، وماجد، وأبو مصطفى".
وروى عبد الخالق جعايصة (ولد في الكفرين عام 1937 وتوفي صيف 2017)، حكايات مدرسته، ذات الأربعة صفوف: "علّمنا الأستاذ نعيم دروزة من نابلس، وكان يلف على الصفوف كلها، فيعطنا حصة وينتقل للصف الآخر، وهكذا طوال السنة، وكان في كل صف 20 طالبًا، وتعلمنا الحساب واللغة العربية والجغرافيا والتاريخ، ولم ندرس الإنجليزية، وكان التعليم مجانيًا، ولم تكن في الكفرين كلها سوى بنت واحدة متعلمة أسمها عبلة شاكر أسعد".
وأسترد الراحل خليل أحمد أبو زهرة، (ولد عام 1930 في صبارين وتوفي قبل سنتين)، قصة دراسته لأربعة أشهر في مدرسة الشيخ محمود، قبل أن يكمل في مدرسة قريته، ويتتلمذ على أيدي أساتذته الشيخ محمد صاحب اللفة، والشيخ محمود العرعراوي، ومديرها المعلم نجم من حيفا.

احتفالات وحلوى
وقال: "واصلت الدارسة حتى الرابع، ولم أكمله بسبب النكبة، ودرسنا التاريخ والجغرافيا والقرآن والحساب والقواعد والقراءة، وعندما ختمت جزء عم، علّل (احتفل) أهلي 7 أيام ووزعوا الحلوى".
فيما احتفظ سليم أحمد صبح (توفي عام 2016) بذكرياته في مدرسة أم الزينات، قرب حيفا، حينما كان الأستاذ محمود العرّابي يعلمهم المواد كلها في الصف الأول. وروى قبل رحيله: "كنا نتعلم إلى الرابع، وتنقل موقع المدرسة أكثر من مرة، فمن جامع القرية ثم دار طالب، إلى مدرسة في منطقة البيادر، صارت تُعّلم الإنجليزية".
وسرد هزاع عبد الرحمن الغول: "كان يعلمنا الأستاذ نايف من بلدة يعبد، فيقول: بدأت بالدراسة وعمري 8 سنوات، وكنا ندرس كتاب (رأس رؤوس)، وجزء عم، ونحفظ الشعر، ونتعلم القواعد".
وقال حبيب سالم أبو سيف، ابن العقد الثامن، "إن أهالي قرية سيدنا علي قضاء يافا، كانوا يبنون مدارسهم في بيوت الشعر، لطبيعة حياتهم البدوية". أما الحاج حسن محمد سالم، الذي ولد وعاش طفولته الأولى في المسعودية (صُميّل يافا) فيتحسر على عدم إكمال الدارسة، رغم توفرها في قريته للأولاد فقط.

"راس روس"
ونثر أحمد صالح أبو سريس، قصة الصفين الأول والثاني في الكفرين، المحاطة بالأشجار، وذات اليتيمة لمدرسة القرية جنوب شرق حيفا، مثلما وتذكر كتاب (راس روس) للراحل خليل السكاكيني.
وأضاف: "تعلّمنا الصف الأول في المدرسة القديمة، ولمّا خاف الأهالي علينا من سقوط البناء القديم والمتهالك، نقلونا بسرعة إلى غرفة مستأجرة شمال القرية يملكها أبو إبراهيم سرحان، وكنا نستمع إلى طابور الصباح، ثم يُدخلنا الأستاذ ليبدأ بتدريس كل صف، ويُعطي طلبة الصفوف الثلاثة واجبات وتمارين لحلها ولتوفير الهدوء للباقين، ويساعده في التعليم الطلبة الأكبر والأكثر اجتهادًا".
وتابع: "كان على من يريد إكمال دراسته بعد الصف الرابع، الذهاب إلى مدارس عكا، وحين يعود عقب الصف السادس، تقام له الاحتفالات والأعراس. وشهدت بلدتنا مناسبات مماثلة عديدة فرحًا بختم الطلبة للمصحف الشريف، فحين يتخرجون من الصف الرابع، تقام لهم حفلات (المولد)، وأذكر الشيخ عبد الله جبارين (من أم الفحم) الذي يقود الحفل والدعاء والابتهالات. أما الأهالي فيوزعون حلوى الحلقوم والقطّين ويتسامرون لوقت متأخر، أما الأكثر يسرًا فاعتادوا وضع ابنهم الخريج على حصان وزفه مثل العريس في حارات القرية".
وووفقً الراوي، فقد حرص المعلم على معاقبة الطلبة الكسالى والمقصرين بـ"فلقة" كانت تتم بمساعدة طلبة الصف الرابع، وهي عادة احترمها الأهالي، ولم يحتجوا عليها؛ لتيقنهم بأنها وسيلة تأديبية تصلح حال المقصر وتردعه، وليست عقابًا مقصودًا بذاته. وكان المعلم يحظى باحترام كبير من الأهالي، وكانت له هيبته.
ينهي أبو سرّيس: "أتذكر اللوح الأسود والطباشير البيضاء، وكانت أمهاتنا يصنعن لنا أكياس قماش كالحقيبة، لم تكن بلون موحد، فهي مما تيسر من بقايا قماش. وعادة كنا ندرس على فترتين: الأولى حتى الظهيرة، ثم استراحة غداء في بيوتنا، وفترة ثانية حتى العصر".




استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار فلسطينية
اغلاق