اغلاق

مقال : سقوط في الإمتحان أم ما زلنا فيه ؟

تنتهي لتبدأ، ففي كل المجتمعات تبدأ الإنتخابات لتنتهي، إلا في مجتمعنا تنتهي لتبدأ وتظل باقية تتمدد لأسباب كثيرة تصب في مصالح عديدة ومتشعبة.


فالح حبيب

يزرعون الورد، لا بل الشوك، يعملون جاهدين من أجل البلد ومستقبل الولد، لا بل يهدمونه ويفتكون بآخر ما تبقى مِن أنسجة معافاة متداخلة ومتشابكة في النسيج الإجتماعي. غيض من فيض جمل تتردد وتراشق اِتهامات لا ينتهي حتى يبدأ واخترت الأديب المتحفظ منه. فئوية وقطبية وشرذمة وهطرقات ومهاترات ومناحرات والنتيجة: مزيد مِن الشخصنة ومزيد من التقطب والمناحرات في وقت يضيع فيه الخطاب العقلاني والحوار المنطقي في صحراء عقم الجدل وقعر مستنقعات "الأنا" وأنا ومِن بعدي الطوفان وتشعب المصالح. للأسف، ستبقى حروب الشوارع والمناوشات والمناحرات والتعدي على المنشآت والمؤسسات العامة وستتسع رقعتها لتشمل قرى ومدن أخرى مِن مجتمعنا العربي الذي نهشت وتنهش جسده الدامي المصلحة الشخصية الضيّقة الخاصة وتقديمها على المصلحة العامة والصالح العام، فلطالما بقي الخطاب المُجزء الفئوي الإنقسامي، خطاب النحن أو هم، والتحريضي وحالات التعبئة والتجييش، عذرا، "التهييش" والشخصنة، بدلا من رُقي الحوار المُوجه للعقل لا العاطفة والتنافس النزيه على خدمة البلاد والعباد (تكليف لا تشريف) وغياب الحفاظ على الحيز العام مقابل العمل المتفاني لتأمين الحيز الخاص، سيد الموقف، سيبقى مجتمعنا يرواح مكانه عالقا في دوامة "الأنا والنحن" فقط وستبقى ديمقراطيتنا منقوصة مهزوزة هزلية ضعيفة تترنح وتجاري الرياح.

" مصلحة خاصة ضيقة "
لطالما بقيت العقلية تحكمها المصلحة الخاصة الضيقة ويحركها خطاب "النحن أو هم" و"اللهم نفسي" ومصلحتي ومِن بعدي الطوفان ويرى الأول بالآخر مزاحما ومنازعا له على نفس المصلحة الشخصية الضيقة، على جميع أنواعها، أو منافسا له على "رزقة كتبها الله له"، كحال لسانه وقناعته طبعا، ويتناسوا أن سلطاتنا المحلية هي سُلطة وليست سَلطة، مؤسسات رسمية خداماتية عليها أن تتعامل مع الجميع من على نفس البُعد وفيها بنهاية المطاف تصب جل ميزانيات المجتمع، ومنها تنطلق "الثورات". ولطالما بقيت مجموعات ضغط، بكل أشكالها، تفرض قواعد لعبة فردانية ضيقة بعيدة عن أي مسؤولية جماعية ومصلحة عامة وتسعى لنيل مصالحها بكل ثمن هي الأخرى، سُرعان ما ستتهيج العواطف السلبية (والشيطان شاطر)، وسيخرج طرف أو أفراد منه على طرف آخر أو أفراد منه، فكيف له أن "يسرق رزقتي" أو "مكاني - موقعي"، وهكذا دواليك بالمنظور الضيق للقضية دون الخوض بأسباب أخرى عديدة بمنظورها العام. يقدمون الخاص ويتناحرون عليه، بدلا مِن أن يتنافسون على العام وتطويره، إلا من رحم ربي، وهناك ما نُفاخر به كل المجتمعات قطعا. نعم حقا، وبكل تجرد، سقط مجتمعنا في الإمتحان دون مجاملة، فالانتخابات في مجتمعنا دائما تكون إمتحانات، كل مرة من جديد، لثوابتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وعقليتنا وثقافتنا ونهجنا وتصرفنا وضبط النفس وقبول الآخر والتعددية و و و و و بعيدا عن كلمات التحبب والتجميل كالعرس الديمقراطي التي باتت مبتذلة مزيفة حتى رمقها الأخير وأحد أبخس أنواع مساحيق التجميل "المكياج" للإنتخابات فيه. 
 
" نماذج يحتذى بها "
صحيح حقا، كانت هناك نماذج يُحتذى بها، وأن القليل مفضل عدم جعله الكثير والأقلية لا تمثل الغالبية ولا يجب التعميم والكف عن جلد الذات المبالغ فيه، لأن الإنتخابات جرت في غالبية قرانا ومدننا بسلاسة وسادتها العقلانية والإحترام المتبادل والتآخي رغم ما نشاهده ونقرأه ونسمع عنه في بعض القرى هنا وهناك، إلا أنها تكشف حقيقة يجب أخذها بعين الإعتبار دون دس الرأس في التراب للتغاضي عنها، وتتلخص بالكثير، أهمها المصلحة الخاصة الضيقة، فأينما حلّت، ضربت، ضربت كل شيء جميل وأجيال المستقبل في مقتل. وبالرغم من الصورة القاتمة المبالغ فيها، ونظرا لطبيعتي و"جبلتي" المتفائلة دائما بلا كلل أو ملل، أميل لقبول الشق الثاني من السؤال، ألا وهو أننا ما زالنا في الإمتحان، وامتحاناتنا دائمة، كأقلية وستستمر إمتحاناتنا وتحدياتنا الجسام فلنُحسن الاجابة.

"القيادة بتجمع والقيادة بتفرق"
يجب أن يكون الخطاب مسؤولا عقلانيا منضبطا وموزونا يحمل في طياته أملا واقعيا وأهدافا ترقى بنا وأن تبقى منافسة على خدمة الناس ممتدة من رصيد حمل هموم وقضايا الناس ومد العمل الجماهيري والميداني، وعرسا ديمقراطيا، لكن هذه المرة حقيقيا، جوهرا ومضمونا لا شكلا، يُفرز الأصلح من الصالح، وإذا لا بد معركة، فلتكن ضمن قواعد مشروعة ومضامين نظيفة، مُلزمة، تُبقي جسور التآخي والتعاون ممتدة وممدودة بين الناس، لأن خُدّام البلد وبنّاؤه بأيديهم لا يهدموه ومن يتقدم لنيل ثقة الناس لخدمة الناس والبلد لا يحرق بلد.
قبل أن تطلبوا الثقة من الناس اِسألوا الثقة عند الله "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا".
مجتمعنا بخير إذا نقبنا وفتشنا فيه على الخير وقاده أهل الخير.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق