اغلاق

مسارات بنكهة ثقافية اعلامية في التماهي مع ‘عروس المدائن‘

يثير سور القدس القديمة مشاعر شتى في نفس المرء ، لحظة ان تقع عيناه عليه .. مشاعر من الاجلال والمهابة لهذا السور العملاق، الشامخ الذي يحتض أجمل المدن


تصوير الدار الثقافية

 ، زهرة المدائن وأقدس مقدسات العالم، مبهرا  العالم بقناديله الاسطورية المضيئة واسراره المخفية  المتوهجة،  رغم زمننا الكئيب، ويشكل السور العتيق درعا حصينا لرد الطامعين والغزاة على مر الازمان . وسور القدس هو حكاية عالمية جذابة لا تنتهي محمّلة بالاساطير ومثقلة بأوجاع الصراعات والحروب . وللاقتراب اكثر من هذا الطود الشامخ سور القدس العظيم الذي ليس له مثيلا في العالم  ، كان لا بد  من تسلق قممه ومنحنياته وقراءة سريعة  لابجدياته  العميقة الغنية  ،   بهدف تفكيك  غموض بعض اسراره وطلاسمه  وعالمه الساحر المذهل" .
وتحقيقا لهذا الامل والشغف ، انطلقت فكرة مسارات ثقافية واعلامية لمجموعة من المقدسيين والمقدسيات برعاية من مؤسسة الدار الثقافية ورئيسها المهندس  سامر نسيبة بهدف التوعية، حول اسرار القدس القديمة التي تحفل بتراث انساني وحضاري عالمي وآخر عريض عربي القسمات  والملامح في جانبه الاكبر من مقدسات وأبنية أثرية ومتاحف وقنوات مائية وأنفاق وقباب وتكايا وزوايا ومعابد ومساجد وكنائس  واسواق وازقة وعقبات  وحجارة لها حكاياتها وتاريخها التليد  .

حرب الروايات

يقول محمود جدّة المرشد والدليل السياحي والاسير المحرر السابق، الذي قاد المسار الاول على قمم  منحنيات سور القدس الشمالي الغربي "  نحن في صراع غير متكافئ مع الاخر على تثبيت الرواية الحقيقية في كل ما يتعلق بتاريخ القدس ، والحرب تكاد تشمل كل حجر وكل زاوية  وكل زقاق من المدينة المقدسة ، والسور هو واجهة هذا الصراع والخط الامامي لهذه الحرب المستمرة منذ عقود طويلة ، الى درجة ان قادة الصهيونية الاوائل  اقترحوا تدميره  من اساساته  لطمس اي معلم عربي او اسلامي يطل كالمارد العظيم من بين  دخان الحرائق المشتعلة في المدينة ،  شاهدا على  هويتها العربية منذ التاريخ السحيق ".

من هنا نبدأ..!
 من قبالة المدرسة الرشيدية الثانوية العريقة  المحاذية للجزء الشمالي من السور ، انطلق المسار الثقافي صعودا الى الجزء الغربي ، لنقف  على ابرز المحطات في تاريخ السور الذي يعتبره بعض المؤرخين من عجائب الدنيا الفريدة ، لنعرف ان بناءه وتشييده بشكله الحالي وبعد ان تهدّم مرات كثيرة عبر الحقب التاريخية  المختلفة ،  يعود حسب أشهر  الروايات  الى العام 1538 ، بأمر من السلطان العثماني المشهور سليمان القانوني  فيما تعتبر  أبرز ابوابه خمسة أصلية ، هي باب الساهرة وباب العمود وباب الخليل وباب النبي داود  وباب الاسباط  ، زيد عليها لاحقا  بابان هما الباب الجديد،  زمن السلطان عبد الحميد العثماني لاتاحة الفرصة والتسهيل على الحجيج المسيحي من مركز النوتردام المقابل للوصول الى البلدة القديمة وكنيسة القيامة  من مسافة أقرب ، وباب المغاربة في العهد الاردني ،

تجاويف للحماية من تقلبات الطقس
فيما يشمل  السور المحيط بالمدينة 34 برجا من ابرزها برج اللقلق شمالا  وبرج الكبريت جنوبا المطل على بلدة سلوان . والمدقق في واجهات السور يلحظ احجارا دائرية وزخارف وفتحة طولية تدعى " مزغل "  يصل عددها  379  فتحة مزغل ، للمراقبة والدفاع  ، اضافة الى تجاويف للحماية من تقلبات الطقس . 

باب الساهرة
ونتوقف عند باب الساهرة والتي تعني الارض المنبسطة والعامرة بالحياة ومباهجها ، والذي تم تجديده وتوسيعه في حقب تاريخية متأخرة من عثمانية وانتداب بريطاني . ويمكن معاينة فتحة منكسرة يعلوها منطار دفاعي واشكال من العقود المروحية واقواس مدببة وعقد متقاطع كناية عن العقد الصليبي اي على شاكلة صليب  .  وعلى هذا الباب  ما زالت  حكاية  استشهاد المقدسي ابو جريس في حرب 67  تشعل الذاكرة الذي ما ان سمع بتقدم القوات الاسرائيلية من جهة الشرق وبناية المتحف الفلسطيني روكفلر ،  حتى رمى زجاجة الخمر وحمل سلاحه لمواجهتهم فسقط مضرجا بدمائه على مشارف بوابة الساهرة ..!

الجن .. البناؤون ..!
وفي طريقنا صاعدين ، نمرّ على باب صغير  مغمور قبالة موقف الباصات القديم  يقال له  "  باب الداعية " يصل حتى دير راهبات صهيون في البلدة القديمة وقريبا منه باب طوارئ  جديد في زمن الاحتلال يقال انه يصل حتى دار عائلة قرش  بحارة السعدية داخل السور . ونلقي نظرة على مغارة سليمان المتربعة في تجويف السور العالي فيما يطلق عليها المحتلون مغارة  " صدقياهو"  وفقا ليافطة نصبت قبالتها تعيد حكايته الى زمن  التمرد ضد الرومان حيث اختفى فيها من الملاحقة ثم فرّ منها  الى اريحا .  وهنا تكتسي الحجارة الضخمة المنصوبة في بناء السور عشرات او مئات الاطنان ، هالة من السحر والخيال  ، وتكتسب مخيالا " ميثولوجيا " وتتداعى قصص سيدنا سليمان وقدرته على التحكم بعالم الجن الذين كانوا يقطعون الحجارة ويقدّون الصخور الضخمة في محاجر قريبة  ، لتستخدم في بناء الجدران و اساسات الاسوار القديمة حول المدينة وما زالت آثار  تقطيع الصخور ماثلة للعيان . كما تطل  من ثنايا التاريخ حكاية حاكم عسكري بريطاني في السودان اسمه "  تشارلز جوردن "  ، جاء الى القدس وعندما شاهد فتحة مغارة في مقبرة المجاهدين اليوم من جهة السور تشبه  الجمجمة نشر رؤيته بالقول ان هذه المنطقة هي ربما  مكان دفن جثمان المسيح وعلى اثرها أنشئ بستان قبر السيد  المسيح هناك المطل على شارع نابلس   ..!

مركز الكون  والقلب المفتوح ..!

وتشخص عيوننا في مركز الكون  " باب العامود " الى الزخارف البنائية في شكل الحجر الذي يعلو البوابة المقامة في مكان يعتقد فيه  ان المسافة مع القدس واي مكان اخر في العالم  هي مسافة  واحدة..؟!  بمعنى ان القدس مركز الكون ومركز العالم ..! وتسمى بوابة دمشق كذلك لانها الطريق الى دمشق شمالا في العصور القديمة . وكان هناك شاهد تاريخي هو عامود هدريان  وهو امبراطور روماني كان يعلوه تمثال له ،  وأسمي كذلك باب النصر وباب القديس اسطفان – استيفانوس- كما يزخر باب العمود بقصص عن  مكتشفات اثرية رومانية  ، أكتشفت  في زمن متأخر  ، من بينها كنيسة رومانية  في حين ان مخطط  المدرج الحالي وضع في عهد الانتداب البريطاني ونفذ منذ  زمن قريب في عهد الاحتلال ، وفي باب العمود ينتصب برجان احدهما يعلوه تاج  على شكل شمعدان، فيما يمكن قراءة شكل البوابة وساحتها الامامية  ، كعبارة عن ايدي مفتوحة او قلب  حاني  يرحب بزوارها ،  وهو ما يعتقده المرشد السياحي  جدّة ، كما تلوح اقواس مدببة ورسوم لاشجار نخيل وشعار الدولة العثمانية الهلال والنجمة.

قلعة النوتردام
ونتابع الصعود الى قلعة النوتردام الشامخة  بمواجهة الباب الجديد الذي انشىء عام 1870  وكان مسرحا لقتال ضار ومجازر في حرب عام 1948 منعت العصابات الصهيونية من احتلال القدس في ذلك الوقت  ، والندم الذي ابداه بعض القادة الصهاينة بعدم هدم السور  في زمن سابق او لاحق  ، مما يدلل على ان القدس ليست لهم ..! فلو كانت لهم ، لما عبّروا عن مثل هذه الافكار المجنونة التي تضطرم في دواخلهم .. تماما مثل الام الحقيقية  التي رفضت شطر طفلها  الى نصفين مع المرأة المزيفة  المدعية  امومة الطفل ، حفاظا على  حياة وليدها ولو لم يعد لها ؟! وبمحاذاة مدرسة الفرير نلمح بقايا قلاع وخنادق صلاح الدين وحفر كانت سابقا مجمعات وبرك مائية تسهم في الدفاع عن المدينة، ونشاهد الحزام الاخضر حول سور المدينة وهو من  حشاتش النجيل، وفقا  للمفهوم الاسرائيلي في النظر الى المدينة المقدسة تقابلها في منطقة  " مونتفيوري "  غربا  ، قباب حديثة مصطنعة  في محاكاة لقباب البلدة القديمة وفي محاولة سطو واضحة على تراث  وتاريخ المدينة العربي الاسلامي .

باب الخليل الابراهيم وامبراطور المانيا ..!

وفي باب الخليل تطالعنا عبارة منقوشة بالعربية  - لا اله الا الله ابراهيم خليل الله -  ، اي الصديق الوفي ،  التي منها استمد الباب اسمه وليس باب يافا كما تدعي الرواية الاخرى ..! وتم توسيعه لدخول  موكب وحاشية امبراطور المانيا عام 1898 ويلهلم الثاني الذي زار القدس ومكث في مبنى فندق امبريال واعطيت له في زمن السلطنة العثمانية  اربع قطع من اراضي القدس اقيمت عليها اوغستا فكتوريا  - مستشفى المطلع - ومكان الكنيسة اللوثرية في البلدة القديمة والتلة الالمانية جنوب القدس ومكان الاميركان كولوني اليوم . وقبل الصعود على ظاهر السور الغربي  الشمالي في جولة خاطفة عابقة ومزدانة بأجمل الاطلالات البانورامية للقدس وحاراتها البديعة وضواحيها البعيدة المتلالئة، تحت وهج شعاع الشمس الدافئ..! نلقي نظرة على قبرين احدهما ، شاهده عبارة عن "  العمة "  او  اللفة العثمانية واخرى بدون ..! حيث يقال انهما للمهندسين اللذين هندسا السور حول المدينة ، فأمر  السلطان العثماني بقتلهما حتى لا ينقلا  فكرة السور الى جهات اخرى ..؟! ولكن غياب شاهد  " العمة "  الذكورية عن القبر الاخر يشير الى ضعف هذه الرواية ، لان القبر الثاني من المرجح انه لامرأة.؟!

الصعاليك والفاخورة ..!
ومن على السور نشتم رائحة المجد الثقافي والعلمي  الفلسطيني ، ينبعث من مقهى الصعاليك في باب الخليل  ومن رواده فطاحل الشعب الفلسطيني امثال خليل السكاكيني  واسعاف النشاشيبي وقصر  دير الفرسان  والبطريركية اللاتينية وعلى خط مستقيم  ثم ينحني بعد الفرير مباشرة  ، تنتصب مأذنة جامع القيمري وبجواره مدرسة الايمان مقابل نوتردام من الخارج  في تناغم بين طوائف الشعب الفلسطيني على مدار التاريخ . ونمر على الفاخورة وهي مصنع الفخار التي تحوّلت اليوم الى مكان قفر وخرب ومقبرة للمجاهدين تماثل اخريات في شارع صلاح الدين ومأمن الله وأماكن اخرى ومن على السور نلحظ خمارة الموز بجانب مسجد الادهمي ونهبط الدرج في اخر محطة لنا  قرب الزاوية الهندية داخل  باب الساهرة . ولنا موعد اخر وحكاية اخرى مع  مقطع سور القدس الجنوبي الشرقي وأسراره المفعمة بروح الحياة ،  لتكتمل دائرة هذا المعلم القدسي البديع .

بإمكان متصفحي موقع بانيت إرسال أخبار وصور لنشرها في موقع بانيت مجانا على البريد الالكتروني :panet@panet.co.il

 

لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق