اغلاق

‘استراتيجيات... كل شيء محسوب‘ - بقلم: فالح حبيب

مع ترتيب أوراق الأحزاب الداخلية الذي يبلغ ذروته، واِنطلاق بعض الحملات الإنتخابية الرسمية، وكلما تقدم بنا الزمن، تتطور معه تباعا الإستراتيجيات المتبعة والمعتمدة في


فالح حبيب

الحملات الإعلامية الإنتخابية عمقا ودراسة، فلم تعد عشوائية مجرد اِثبات وجود "وشوفوني" وعرض عضلات، بل تحمل في طياتها رسالة يراها الجميع ويذوتونها ضمنا دون فهم ما وقف من ورائها من اِستراتيجيات "البرّوزة" ونقل الرسالة التي بغالبيتها ما زالت تحاكي العاطفة وتدغدغ المشاعر وتحمل أجندة وطنية بالوانها الزرقاء والبيضاء وأفكارا تحاكي "روح الشعب" وعاداته وتقاليده وبطولاته  (Pathos & Ethos)...


صورة عن صفحة الفيسبوك لحزب الليكود

1. " كلهم علينا - تعالوا لنريهم مَن نحن "
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وحزبه الذي يعتمد شخصية زعيمه بالأساس والذي يقبع حاليا تحت وطأة التحقيقات المتواصلة ويُدير حرب بقاء، كان مفهوما ضمنا أنه سيتبنى اِستراتيجية "كلهم علينا" وسيُدير حملة سلبية  (Negative political advertising) بعكس التوقعات التي رأت أنه سيعتمد حملة اِيجابية positive) political advertising)  كونه رئيس حكومة ومن المفروض أن يكون لديه اِنجازات خلال سنوات حكمه الطويلة. بمعنى، تقوقع في شخصه وأظهر أن جميع التيارات والمؤسسات تعمل لأسقاط حكم اليمين وحزب الليكود وتفتش عن عثراته،  بل تفتري عليه وتكيل وتُحيك له اِتهامات وتهاجمه فقط لأنها تحمل أجندة اِسقاطه الواضحة. لاحظوا حملتهم التي اِنطلقت ضد الصحافيين والمحللين والتي تحمل نوعا من التحريض والتحدي وغيرها وتضع جانبين من الجمهور نفسه في كفتيّ ميزان تحت عنوان: "هم لا يقررون ... أنتم من يقرر - بالذات نتنياهو ". نتنياهو يستغل ما بناه من واقع خلال سنوات حكمه ويهاجم الجميع، لأنه يعلم أن جمهور ناخبيه من اليمين لا يرى، إلا الواقع الذي بناه لهم.


صورة عن صفحة الفيسبوك لحزب " ييش عتيد "

2. نحن وليس غيرنا نحتضنكم ونقود التغيير
يائير لبيد الذي يطرح نفسه بديلا لرئيس الحكومة نظرا لتجربته السياسية كوزير ووجوده في مجلس الأمن المصغر، الوحيد، من بين الأسماء التي تطرح نفسها حاليا على الساحة كبديل لرئيس الحكومة، ما زال يفتش عن أصوات لتعزيز قوة حزبه، فتارة يميل يمينا وتارة أخرى يسارا، والذي يُعتبر اِبن الإعلام المدلل، لم ينسى عمله السابق كإعلامي، فخرج في حملته ضد نتنياهو محتضنا الصحافيين متعاطفا معهم مستغلا حملة التحريض ضدهم التي يقودها نتنياهو، ففي حملته تحت عنوان: "جئت لتحرض - جئنا لنغيّر" . لبيد يغازل الصحافيين والمحللين (الأكثر ظهورا وتأثيرا في الرأي العام) وجميع المُحرّض عليهم ويطرح نفسه كبديل وليس هذا فحسب، بل التوجه المباشر بصيغة "الأنت" لنتنياهو، بمعنى، أنت المتقوقع بشخصك وذاتك بالمقابل نحن (لغة الجماعة) جئنا بعكسك لنغيّر.


صورة عن صفحة الفيسبوك لحزب " كولانو "

3. وهل هناك من يؤمّن لكم عيّشكم غيري ؟
كاحلون الذي ما زال يحمل صولجان الأجندة الإقتصادية الإجتماعية يدرك أن هذه الإنتخابات بين مَن يهمهم الأمر ومَن لا يهمهم الأمر، بين المباليين لمصالح الجمهور المعيشية ومَن لا يبالون . بين المنشغلين بتحقيق مصالحهم السياسية والعائلية وبين من يعملون لتحقيق مصالح الجمهور العامة فخرج بحملته: "فقط كاحلون. الوحيد المبالي" لاحظ الحسم، فقد وُضعت بعد أسمه مباشرة نقطة. كاحلون أدرك أن الإنتخابات اليوم شخصية و"شخصانية"، وبعد فرار "غالنت" من حزبه، المنتقل لليكود، بقي النجم الوحيد مع بعض اِنجازات تحسب لصالحه، فاعتمد في حملته على نفسه فقط، كل ما يسعى إليه هو أن يعبر نسبة الحسم وأن يبقى جزءً من اِئتلاف حكومي يضمن له وزارة المالية، لهذا يكتفي بحملته على اِنجازاته كوزير للمالية بعيدا كل البعد عن طرحه لنفسه كبديل لرئيس الحكومة، وهذه بكل تأكيد أيضا، رسالة لنتنياهو لطالما كررها في السابق.


صور عن صفحة الفيسبوك لحزب العمل

4. " إلى العمل فلا وقت لدينا، إلا للعمل "
رئيس حزب العمل آڤي غباي الذي واجه ويواجه معارضة داخلية في حزبه ولا تسعفه استطلاعات الرأي وبقيت تمنحه تقريبا نفس نتيجة ما قبل فك الدمج مع " ليڤني " ( رغم ميلي لعدم اعتمادها بالجوهر كأداة حقيقية لمعرفة النتائج الحقيقية كونها توثق لحظات تماما كالصورة من حياة فرد أو مجتمع) والذي لطالما حاول اِحكام قبضته على حزب مؤسسات ليحوله لحزب الرجل الواحد، ولجم المتمردين داخل حزبه، ونجح في ذلك، ها هو يطرح نفسه من خلال حملته كثورجي ورجل الميدان والعمل ومستعد للإنطلاق. لاحظ معي صورته. غباي لا يرتدي " جاكيت "  مشمرا عن سواعده ينظر إلى الأمام مباشرة مع قليل من الإنحناء نحو الأمام كذلك الذي يستعد ليثب في السباق، بالإضافة إلى ربطة عنقه الحمراء التي لا تُمثل فقط شعار الحزب، بل ثورة، فمعظم الأبحاث في الخصوص تُشير إلى أن اللون الأحمر يرمز للثورة والروح القتالية العالية وهذه الرسالة التي يحاول اِيصالها للجمهور، وتكتمل رسالة حملته من خلال شعاره: "نلتزم (نتعهد) بالتغيير في أسرائيل!"، كأن لسان حاله، مظهرا وشعارا، يقول: مستعدون للمنافسة.


صورة من صفحة حزب " غيشر " على الفيسبوك

5. " تعالوا نستفيق من المهاترات والتراشق وجسر الهوة بين التصدعات الإجتماعية "
أورلي لڤي أبو كسيس هي الأخرى تسعى لعبور نسبة الحسم وتطرح بديلا، ليس قيادة بقيادة أخرى فحسب، بل بديلا في الخطاب السياسي والإجتماعي، فمن خلال حملتها تدعو لجسر الهوة والتصدعات الإجتماعية بين اليمين واليسار، بين اليهود الغربيين (الأشكينازيم) واليهود الشرقيين (السفراديم)، بين العلمانيين والمتدينين من خلال فتح الحوار المباشر وخطاب سياسي مختلف. هي أيضا تطرح نفسها كثائرة على الوضع القائم وتحمل صولجان العمل الإجتماعي والسياسي والجندري وتضع نفسها كنجمة محور دعايتها.  حملتها التي تعتمد صورتها بحجم كبير ومن زواية منخفضة لإبرازها ومنحها الهيبة إلى جانب علامة تعجب بحجم كبير دلالة على الخروج ضد القائم والمتبع، لكن بنكهة نسائية جندرية. لاحظ النقطة باللون الزهري الذي لطالما رمز لمجموعة النساء، وهنا أتساءل، هل من يتمرّد على قوالب نمطية مجتمعية يرسخها بنفسه؟! ما علينا! ومن ثم شعارها المركزي "جسر"  "آن الأوان لنستفيق" ("أو هذا وقت أن نستفيق"). كلها معا تنقل رسالة التمرد على الوضع القائم وعرضها لنفسها كجسر بين جميع الأحزاب، وهذا يعكس عملها البرلماني ونهجها، فقد كانت تتعاون مع جميع الأحزاب من على طرفيّ الخارطة السياسية، ومع الأضداد، من أجل تحقيق مصالح جمهور ناخبيها منذ اِنشقاقها عن ليبرمان وحزبه "اسرائيل بيتنا".



صورة من الصفحة الرسمية لحزب " حوسين ليسرائيل"

6. " الجيش في قلب حملته... خلق أجواء من الوقار وهالة الإنضباط العسكري "
بيني غانتس وطاقم حملته يدركون أن المعيار الأمني يقف في رأس سلم أولويات الناخب الإسرائيلي، فيحاولون اِستغلال ذلك. في بداية الطريق أرادوا جس النبض فلتزموا الصمت، وعندما اِكتشفوا أن الصمت يُعزز مكانة حزبهم في اِستطلاعات الرأي حولوه لإستراتيجية متبعة. اِستخدموا شعارات مطاطية لا يمكن من خلالها تحديد بوصلته السياسية وتوجهاته، حالها كحال الصمت ليس إلا. اِلتزموا الصمت لخلق حالة من الوقار الذي يتسم فيه العسكري. هناك توظيف كامل لرموز من عالم العسكرية. اِظهار الشق الأيسر من وجهه واِبراز عينه الزرقاء لم يكن عبثيا، فأبحاث عديدة تؤكد أن اِظهار الشق الأيسر من الوجه يخلق حالة من الوقار والصمت والجدية والغموض الذي يثير الفضول، أما العيون الزرقاء فالأبحاث تؤكد أنها تخلق حالة من العمق والطهارة، لتبدو رسالتهم واضحة: رجل عسكري نظيف منضبط، يعمل أكثر مما يتحدث. وكل ما أشرت إليه يظهر من خلال حملته وألوانها "الجيّشية": "غانتس. اسرائيل قبل كل شيء".
النقطة بعد أسم غانتس دون ذكر اِسمه الشخصي المُختصر أيضا غير عبثي، بل جاءت لتؤكد أن الشخص يعمل بشعار: خير الكلام ما قل ودل. عسكري قيادي، بالإضافة إلى اِستغلال مظهره الخارجي "الكريزماتي" الذي يُعزز خلق أجواء الوقار. مُقل بالحديث للإعلام وخطاباته قليلة، كلها تُعزز حالة الوقار والعمل لا القول. وهذه الإستراتيجية تساهم برفع سقف الغموض، وبالتالي، الفضول إلى أقصاه واِنتظار كل تصريح بتلهف وتلقف.
لاحظنا من خلال تحليل سريع لأبرز حملات الأحزاب الصهيونية (نظرا لعدد كلمات المقال المحددة مسبقا)، وحللّنا معا ورأينا كيف تعتمد الحملات اِستراتيجيات مدروسة غير عبثية، كل شيء فيها محسوب ما يؤكد أن علم الإستراتيجية حاضر في الحملات الإنتخابية وبات عمودها الفقري.
أحزاب عديدة وشعارات كثيرة وشبه أجندة وتنوعت وتعددت الأساليب والنتيجة واحدة، كلها تتغنى بخدمة الشعب، فيا ترى ستتحول لنهج عملي يخدم المواطن!

* كل الصور في هذا المقال مأخوذة من صفحات المرشحين في مواقع التواصل الاجتماعي وصلتنا من كاتب المقال .

 هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il .


 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق