اغلاق

مقال : انتخابات الكنيست 2019 وبؤس الأحزاب العربية

بقلم : خالد عوض – الناصرة . في المجتمع الفلسطيني داخل مناطق الـ 48 اليوم خطأ ما ... خطأ يضم في داخله كتلا ،من الصراعات والخلافات الفكرية والأيديولوجية .

 
خالد عوض 

في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون هناك إطار موحد ( بكسر الحاء) للأطر  السياسية المختلفة ، نرى أن حالة التشرذم والخلافات الشخصية والمصالح الفردية والحزبية الضيقة هي السائدة في مجتمعنا. وأتساءل ، على عاتق من يقع الخطأ؟ هل هو خطأ أيديولوجيا الأحزاب العربية في الداخل؟ أم فشل القيادة التي أفزرتها هذه الأحزاب وشكلت منها قيادة للجماهير العربية ؟.
للإجابة على هذه الأسئلة ، لا بد من أن نعترف أولا أن هناك انهيار سافر للفكر والأيديولوجيات التي تحملها هذه الأحزاب، وما كان يصلح بالأمس لا يمكن أن نستعمله اليوم.
وإذا ما أردنا أن نتحدث بشفافية عن التيارات التي تحمل  عبء الصراع الدائر اليوم ، يمكن تحميله لثلاث أحزاب رئيسية تتبنى فكرا وأيديولوجيا وهي التي تقود الجماهير العربية في مناطق ال 48. أما هذه الأحزاب فهي : 
1- الحزب الشيوعي، ممثلا بالجبهة الديموقراطية  للسلام والمساواة .
2- الحركة الإسلامية ، بشقيها الشمالي والجنوبي .
3- التجمع الوطني الديمقراطي.
أما الحركة العربية للتغيير والتي يمثلها أحمد الطيبي ، فهي لا تحمل أيديولوجيا واضحة الرؤيا والمعالم . حيث أنها ومنذ البداية كانت قد تبنت الطرح الذي طرحه الحزب الشيوعي تاريخيا والذي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية بحدود ال 67 بجانب دولة اسرائيل وعاصمتها القدس .
إن هذه الأحزاب التي تمتاز بالتنوع والتضارب الفكري والأيديولوجي ( ماركسي ، اسلامي ، قومي) كانت قد بنت برنامجها السياسي منذ البداية وصاغته من خلال نظريات المفكرين الأوائل الذين طرحوا نظرياتهم في ظروف تختلف عن تلك التي نعيشها اليوم ، حيث أن غالبية هذه النظريات لا تتلاءم وواقعنا الحالي ، بل يمكننا القول أن عصر الأيديولوجيات بات معضلة معقدة للأحزاب التي تتبنى فكرا ايديولوجيا .
ومع هذا نرى أن قيادة هذه الأحزاب ما زالت متمسكة بإرثها الأيديولوجي ، منه تستقي طرحها السياسي وتحاول أن تلائمه للواقع السياسي الحالي .
وأتساءل ، أين الاجتهاد لقيادة هذه الأحزاب ؟ . ولماذا التمسك في نظريات كادت أن لا تكون موضوعية في ظروفنا السياسية الاّنية.

خلاف وانشقاق
إن ظهور الخلاف والانشقاق بين أعضاء القائمة المشتركة حول الاّلية التي ستخوض فيها انتخابات الكنيست ، لهو أكبر مؤشر لما تم ذكره ، وإذا ما عدنا إلى الانتخابات الأخيرة التي جرت عام 2015 نرى أن هذه القائمة استطاعت بوحدة أطرها الحزبية الحصول على 13 مقعدا في البرلمان الاسرائيلي ، وهو الامر الذي أزعج قيادة الأحزاب اليمينية المتطرفة في البرلمان الإسرائيلي ، وأضاء أمامها وأمام الحزب الحاكم الذي يرأسه نتنياهو  ضوء أحمر ، حيث أنها نجحت بإماطة اللثام عن الوجه العنصري للدولة الاسرائيلية وعَرّتْ ديموقراطيتها المزيفة.
وما يؤكد ذلك ، تصريحات رئيس الائتلاف الحكومي اّنذاك "ديفيد بيتان" ، الذي حرض بشكل علني لخطورة تعاظم قوة العرب من خلال تكتلهم بقائمة مشتركة في البرلمان الاسرائيلي ، وأشار إلى أبعادها السياسية والإستراتيجية ومخاطرها المستقبلية.
لقد استشعر قادة اليمين أن بقاء هذه القائمة وتزايد قوتها سيؤدي حتما في السنوات القادمة إلى تغيير حقيقي في الخارطة السياسية حيث أن العرب الذين يشكلون 21% من سكان الدولة وفقاً لآخر الإحصائيات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء ، يُمَكِنهم الحصول على أكثر من 18 مقعدا في البرلمان الإسرائيلي إذا ما توحدوا بقائمة مشتركة مما يتيح لهم الفرصة أن يصبحوا الكتلة الثانية في الكنيست . فمنذ تأسيس الدولة ، اجتهد متخذو القرار في حكومات اسرائيل أن لا يكون للعرب إطار سياسي جامع.

البقاء في المعارضة
حول هذا الموضوع تقول البروفيسور" نيعومي خازان" نائبة رئيس مجلس الكنيست سابقا والمحاضرة وعميدة مدرسة المجتمع والحكم في كلية تل ابيب يافا أن المجتمع العربي لا يمكنه أن يكون شريكا ذا قيمة في أي ائتلاف حاكم. فمنذ الفترة التكوينية للبلاد، فان رؤساء الوزراء المتتاليين والمتنافسين على المناصب في الدولة فصلوا إمكانية دمج الأحزاب العربية أو ممثليها في الحكومة ، وإبعادهم بشكل دائم في المعارضة ، وبالتالي التهميش السياسي المطول. من ثم فقد مدوا يدهم للاستبعاد النظامي للمجتمع العربي في البلاد من أروقة السلطة ، مما أسهم في ترسيخ عدم المساواة على أساس الأصل القومي ، وفي انتهاك مباشر لنص وروح إعلان وثيقة الاستقلال. هذا الاعلان الذي يدعو بشكل واضح في نصه ، إلى المساواة التامة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع المؤسسات للسكان العرب في دولة اسرائيل .
يمكن القول أن الحقوق التي كان من المفروض أن تمنحها الدولة للأقلية العربية مثل الحقّ في الاستحقاقات الاجتماعية وفي الحفاظ على الثقافة واللغة والتمتع بالمواطنة والمساواة كان حبرا على ورق.
من هذا المنطلق يمكننا الجزم أن متخذي القرار في الحكومة  الإسرائيلية كان لهم باعا طويلا في دق أسافين التفرقة بين الأطر السياسية العربية التي شكلت القائمة المشتركة ، ونجحت بتمزيق أواصرها بعد أن نجحت في خوض معركة الانتخابات الأخيرة والحصول على 13 مقعدا . كانت هذه النقلة بمثابة تطور سياسي نوعي في مواجهة التطرف اليميني وقانون القومية العنصري الذي كرس التمييز ضد الأقلية العربية والذي على أساسه قامت عليه الدولة الصهيونية ومارسته لأكثر من سبعة عقود.

القائمة المشتركة بين الوحدة والانفصال ، وبؤس الأحزاب العربية
بالرغم من أن القائمة المشتركة كان بإمكانها أن تتحول إلى ثالث أكبر كتلة برلمانية في الكنيست إلا أنها كانت تعاني من تصدعات داخلية وضغوط خارجية أدت في نهاية المطاف إلى تفكيكها، ويعود ذلك باعتقادي لعدة أسباب من أهمها :
*- الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين أطرها الحزبية .
*- توظيف المصالح الشخصية على المصالح السياسية .
هذا التوظيف الذي ينطبق عليه مبدأ الفكر الميكافيلي الذي يقول : "أن الغاية تبرر الوسيلة". نعم ، كان هذا المبدأ بمثابة التربة الخصبة الذي اعتمدته هذه الأحزاب لتحقيق أهدافها ومصالحها الحزبية الضيقة ، متناسية بذلك الخوف والقلق الجماهيري للأقلية العربية التي تنفست الصعداء عندما توحد قادتها لردع القوانين العنصرية التي حيكت ضدهم.
ان أحزابنا العربية التي واكبت البرلمان الاسرائيلي منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا ، هي حالة تراجيدية ،  حالة يكسوها البؤس والشرذمة والعمى السياسي. وأتساءل ماذا يحدث لو تحولت هذه القائمة إلى إطار سياسي ليبرالي ،إطار يركز على الجانب العملي ؟. حيث أن  القضايا المتفق عليها والتي تصب لصالح الجمهور العربي،كانت أكبر بكثير من القضايا المختلف عليها. فالبرنامج السياسي المشترك والمشاركة في صنع القرار، هما اللذان كانا من المفروض أن يلعبا دورا جوهريا في الحفاظ على رصيد المشتركة  كإطار سياسي ، لكونها حديثة العهد ، وأن تركز في عملها البرلماني على القضايا المشتركة التي نعيشها كأقلية عربية، خصوصا أن الاّخر كان وما زال رافضا متعنتا للتنازل عن أبسط الحقوق وهي المساواة والمواطنة والعدالة الاجتماعية وتحقيق المكاسب الاقتصادية. كان بإمكانها أن تجمع بين الذين يؤمنون بأفكارها السياسية وتحقيقها ( عربا ويهودا) وذلك بجمع أكبر عدد ممكن من المواطنين حولها والسعي للوصول إلى مواجهة المشاكل الحياتية التي يعاني منها المواطن العربي أو على الأقل التأثير على قرارات اليمين الاسرائيلي المتطرف الذي يختلق الدسائس والفتن من أجل تبيض وجهه العنصري البغيض.

الانتحار السياسي وانتهاء الأحزاب
من يقرأ الخارطة السياسية للأحزاب العربية التي تلعب اللعبة السياسية في البرلمان الاسرائيلي ، يعي ويدرك أن هذه الأحزاب التي شكلت في الانتخابات الماضية القائمة المشتركة كرد فعل على سن قانون القومية العنصري ، لم تكن قد قامت بهذه الخطوة نتيجة نضج فكري أو سياسي، وانما بسبب الخوف الناتج عن تداعيات هذا القانون. وللتكيف مع الشروط الإسرائيلية اتفق ممثلو هذه الأحزاب على تقسيم الأدوار فيما بينهم لضمان بقاءهم في البرلمان الاسرائيلي كنواب عرب . ويسأل السؤال على ماذا عولت قيادة هذه الأحزاب لضمان بقائها في الكنيست؟ . هل نجحت في الغاء قانون القومية مثلا؟ . أم أن الأنانية الشخصية هي التي سيطرت علىيها.؟ ومع هذا يمكننا القول أن ما يحدث اليوم من تشرذم وانشقاقات بين الأحزاب العربية، هو بمثابة انتحار سياسي سيؤدي عاجلا أم اّجلا  إلى  انهاء دورها الكلاسيكي  في قيادة كانت ذات يوم تمثل الجماهير الأقلية العربية في اسرائيل.
إن المرحلة الراهنة تنكر علينا الأمل في وجود قادة سياسيين كبار وهذه علامة بارزة على الضعف الذي ألم بمشهدنا السياسي، ولا أعتقد أن هناك فارقا بما تطرحه هذه الأحزاب العربية والتي تمثلنا كأقلية عربية في اسرائيل ، فالشبه الكبير بين الأحزاب السياسية وصل حد التماثل في حالات كثيرة. وأن الانتخابات القادمة ستكون منوطة بيد الناخب العربي وهو المعيار الحقيقي لبقائها أو عدم بقائها.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق