اغلاق

‘ عندما يقترب القائد من الناس ‘ ، بقلم: نظير مجلي

تصريحات النائب أيمن عودة لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، التي أعلن فيها أنه مستعد للتوصية على بيني غانتس لدى رئيس الدولة لكي يشكل الحكومة القادمة،

 
تصوير بانيت

إذا ما وافق على تبني عدد من شروط "القائمة المشتركة" في قضايا المساواة والديمقراطية والسلام مع شعبنا الفلسطيني، ليس فقط صحيحة ومعبرة جدا عن مصالح ورغبات جماهيرنا، بل جاءت متأخرة. ولكن، متأخرة أفضل من بلاش.
لقد طرح النائب عودة قضية مهمة لنقاش في مجتمعنا رفعت أولا من مستوى النقاش في الانتخابات. فبدلا من الانشغال في صراعات الكراسي التي شهدناها في الانتخابات الماضية والانقسامات والغمز واللمز بين الأحزاب العربية في القائمة الواحدة حينا وبين القائمتين حينا آخر، وبدلا من النقاش على التصويت وعدم التصويت، أصبح النقاش على قضايا تتعلق بمضمون العمل السياسي ودور الأحزاب العربية في السياسة الإسرائيلية بشكل عام والطرق الأجدى لخدمة قضايانا.
النقاش في هذا الموضوع قائم في مجتمعنا منذ زمن طويل، لكن قسما كبيرا من قادة الأحزاب العربية حاولوا طمسه. وقيام النائب أيمن عودة بإعلائه الآن، من الغرف الضيقة إلى الحيز العام المفتوح والوضاء هو خطوة جبارة، تتسم باحترام عقول الناس وتدل على اقتراب كبير من الناس وتظهر شجاعة في مصارحة الناس واعتبارهم عنصرا حيويا وضروريا في الحسم السياسي.

من أين نعرف ما يريده الناس ..
ولمن يتساءل ببراءة أو بسذاجة أو بخبث، من أين نعرف ما يريده الناس، نقدم له مثلين اثنين فقط من الشهور الأخيرة:
ففي 29 كانون الثاني من سنة 2019، أي قبيل أربعة شهور من الانتخابات الأخيرة للكنيست، نشر معهد يافا للبحوث في الناصرة، نتائج استطلاع رأي بين المواطنين العرب في إسرائيل، اتضح منها أن 68% منهم يدعمون انضمام الأحزاب العربية إلى ائتلاف حكومي في حال قاد هذا الائتلاف حزب يساري أو وسطي و64% يؤيدون مشاركة الأحزاب العربية في الائتلاف من دون تحديد هوية هذا الائتلاف وأن %80 من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم يرغبون مشاركة الأحزاب العربية في السلطة بشكلٍ غير مباشر عبر دعم الحكومة من الخارج مقابل برامج وميزانيات تطوير تدعم المجتمع العربي.
وفي 20 آذار 2019، نشر استطلاع رأي آخر أجري بتكليف من صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، ونفذته جامعة ماريلاند، بالشراكة مع معهد "ستاتنيت" العربي في دالية الكرمل، بين 10-12 آذار، وشارك فيه 713 بالغا من المواطنين العرب في إسرائيل، جاء فيه أن 73.1% منهم يؤيدون انضمام الأحزاب العربية الى الائتلاف الحكومي، في حال توفر الفرصة لذلك، بينما قال 21.1% انهم يعارضون ذلك.
وقبل هذين الاستطلاعين أجريت استطلاعات رأي أخرى، في جامعة حيفا وفي صندوق إبراهيم ومعهد شحريت، دلت على نتائج مشابهة عبر عدة سنوات.

معظم قادة الأحزاب العربية قرأوا نتائج الاستطلاعات وأداروا ظهورهم
المشكلة ان معظم قادة الأحزاب العربية قرأوا نتائج الاستطلاعات وأداروا ظهورهم اليها. ليسوا لأنهم لم يفهموها، بل لأنهم لم يرغبوا في تبنيها. لبعضهم توجد أسباب أيديولوجية، ولبعضهم أسباب سياسية إذ انهم مرتبطون ماليا وسياديا لبعض العواصم العربية، ولبعضهم أسباب تتعلق بمبدأ "الثوابت" إذ يصعب عليها اجراء أي تغيير في فكرها القديم، ولبعضهم أسباب تتعلق بالخوف من "جعجاعين سياسيين"، يشتغلون في شتم كل من يفتح دماغه وكل من يشق الظلمة بالأنوار.
أيمن عودة، بمواقفه المذكورة، كما عبر عنها في اللقاء الصحفي المذكور، اختار أن يكون ذلك القائد السياسي الذي يقترب من الناس ويشعر بنبض الناس. قرر أن يسير على درب الأوائل، أولئك الذين قادوا جماهيرنا العربية الفلسطينية في قلب الوطن ما بعد النكبة، حين بقينا "أضيع من الأيتام على مائدة اللئام"، نعاني من سياسة الحكم العسكري وبطش المخابرات الشرسة. في حينه أيضا، كان هناك من اتهموا توفيق طوبي واميل توما واميل حبيبي وصليبا خميس وسليم القاسم وجمال موسى ورمزي خوري وعلي عاشور وحسن ابو عيشة ومحمود اغبارية وعثمان أبو راس وعبد الحميد أبو عيطة ثم توفيق زياد واسعد يوسف كنانة وحسن المحمود وفؤاد خوري وحسين أبو اسعد ونجيب الفاهوم ويني يني وطاهر الفاهوم وغيرهم كثيرين، بأنهم "تأسرلوا"، لكنهم لم يكترثوا. وواصلوا المسيرة بمسؤولية عالية فحافظوا على الوجود العربي الفلسطيني وقادوا الكفاح أولا لأجل البقاء ثم لأجل المساواة والدمقراطية والسلام العادل. لقد عرفوا كيف يجمعون بين المواطنة الإسرائيلية كحق لا تنازل عنه وبين الانتماء الوطني الفلسطيني الذي لا يسمحون بأي مساس فيه.
وقد عرفت السلطات الإسرائيلية آنذاك، كم هي هذه القيادات خطرة على مخططاتها فحاربتهم لعشرات السنين ولم يسلم أي منهم من السجن والاعتقال والمطاردة والملاحقة على لقمة العيش.
اليوم يعيد أيمن عودة التجربة، بما يلائم المرحلة، وبما يتناسب مع تطور جماهيرنا العربية ووعيها المتنامي وانجازاتها الهائلة في كل المجالات. لسان حاله يقول بكل وضوح: نحن جزء لا يتجزأ من هذه الدولة، ساهمنا بشكل جبار في بنائها وبات من حقنا ان نصبح شركاء في ادارتها.

اليمين المتطرف هب ضد ايمن عودة
لهذا السبب بالضبط، هب اليمين المتطرف ضد ايمن عودة. وتلعثم حزب الجنرالات عندما طلبت الصحافة رده على تصريحات أيمن عودة. ولكن قوى غير قليلة، وليس فقط في اليسار، بل في الوسط وفي الأكاديميا وفي الصحافة، اعتبرت تصريحات عودة قفزة مهمة في تاريخ السياسة العربية. وتذكر بعضهم العملية التي قادها توفيق زياد وهاشم محاميد وتمار غوجانسكي وعبد الوهاب دراوشة وطلب الصانع، في سنة 1993، عندما أقاموا جسما مانعا صد اليمين بالتحالف مع اسحق رابين. في حينه كان الثمن: خمسة مليارات شيكل كبداية لسد هوة التمييز العنصري في الميزانيات والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، والعديد من الإنجازات الأخرى.
لذلك، من المحزن أن ترى بعض رفاق هؤلاء القادة يقفون اليوم ضد أيمن عودة في مساره الوطني الرفيع. ومن البائس أن ترى عضو كنيست مثل الدكتور امطانس شحادة، الذي حلف يمين الولاء لدولة إسرائيل، وهو يعتبر مسار أيمن عودة بائسا. ومن المثير ان ترى عربا كثيرين يقفون في صف واحد مع نتنياهو وسموترتش واردان يهاجمون أيمن عودة ويطالبون بإقصائه عن موقعه في رئاسة القائمة المشتركة، بعضهم يريد ارساله الى رام الله وبعضهم يكتفي بإبقائه في الكبابير. والحقيقة ان مكانه في صفوف الجماهير، قريبا منهم مخلصا لرغباتهم وأمينا على مصالحهم.



استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق