اغلاق

ذكرى الهجرة النبوية، بقلم: الشيخ سعيد بكارنة-الناصرة

تطل علينا في هذه الأيام ذكرى هجرة سيد الخلق والأنام محمد عليه الصلاة والسلام . هذه الهجرة النبوية المباركة من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة كانت من أعظم الأحداث


الشيخ سعيد بكارنة - صورة شخصية

التي غيرت مجرى التاريخ ، فقد أدت إلى إقامة الدولة الإسلامية  ، التي  رفعت من مكانة العرب وحولتهم من رعاة للغنم إلى سادة وقادة للشعوب والأمم . وأدت كذلك إلى بناء الحضارة الإسلامية التي أشعت بنورها على العالم كله . ولأهمية الهجرة النبوية فقد أرخ  بها المسلمون عندما وضعوا التاريخ الهجري في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ويختار عليه الصلاة والسلام صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه رفيقا له يعينه على السفر ، ليعلمنا أهمية اختيار الأصدقاء والرفاق الذين يعينون على الحق ، ويساعدون على تخطي الصعوبات . ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم "غار ثور" بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فينسج العنكبوت  خيوطه على باب الغار ، وتبيض الحمامة على باب الغار ويصعد  فريق من ملاحقيه من  كفار قريش  الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطىء أحدهم رأسه لينظر في الغار . قال أبو بكر: يا رسولَ الله ، لو نظرَ أحدُهم إلى أسفلِ قدميه لرآنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!

إنها المعجزات الإلهية والكرامات  التي تكون مع الأنبياء وأصحاب الدعوات كي تؤكد صدق دعوتهم !

وما حوى الغـــارُ مِن خيرٍ ومِن كَرَمِ * * * وكُــلُّ طَرْفٍ مِنَ الكفارِ عنه عَمِي

فالصدقُ في الغــارِ والصدِّيقُ لم يَرِمَـا* * * وهُم يقولون مـا بالغــارِ مِن أَرِمِ

ظنُّوا الحمــامَةَ وظنُّوا العنكبوتَ على* * * خــيرِ البَرِّيَّـةِ لم تَنسُـجْ ولم تَحُمِ

وِقَـــايَةُ اللهِ أغنَتْ عَن مُضَــاعَفَةٍ* * * مِنَ الدُّرُوعِ وعن عــالٍ مِنَ الأُطُمِ

الدروس العظيمة
ومن الدروس العظيمة التي نتعلمها من الهجرة النبوية هو إرساء الصلح وإقرار مبدأ الأخوة الإسلامية .فما إن وطأت أقدام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أرض يثرب التي تحول اسمها إلى المدينة حتى قام بإحلال الصلح بين قبيلتي الأوس والخزرج التي مزقتهما الحروب التي امتدت عشرات السنين رغم صلة القرابة التي تجمع بينهما .وهذا يؤكد أنّ أهم مقاصد الدعوة الإسلامية بعد توحيد الله عزّ وجل، وحدة الكلمة وجمع الصفّ والقضاء على الفُرقة الناجمة عن العصبيات القبلية .

يا  هجرة فجرت حبا ومرحمة     فالقوم فيها الأحباء الأخلاءُ

تقاسموا نعمات العيش وائتلفوا    كما تآلف في الأجساد أعضاءُ

كل يرى لأخيه الخير أجمعه      والخير موطنه الرهط الأعزاءُ

وهؤلاء الأنصار أعداء الأمس تاقت نفوسهم إلى الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار فاستقبلوه عليه الصلاة والسلام بالأناشيد:

" طلع البدر علينا من  ثنيات الوداعْ

وجب الشكر علينا ما   دعا لله داعْ

أَيُّهَا المَبْعُوثُ فِينَا    جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطَاعْ

جِئْتَ شَرَّفْتَ المَدِينَة  مَرْحبًا يَا خَيْرَ دَاعْ"

خطوة تاريخية عظيمة
ثم قام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بخطوة تاريخية عظيمة وهي المؤاخاة بين المهاجرين وهم المسلمون من أهل مكة والأنصاروهم المسلمون من أهل المدينة ،  وبلغت هذه المؤاخاة مبلغا عظيما وهو أنهم كانوا يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام في بداية الأمر .

ومعنى هذا الإخاء كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:" أن تذوب العصبيات الجاهلية، فلا حميّة إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه. وقد جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الأخوة عقداً نافذاً، لا لفظاً فارغاً، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر. وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الإخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال" .

لقد كان لإرساء الصلح بين أهل المدينة ولإقرار مبدأ الأخوة الإسلامية بالغ الأثر على نجاح الدعوة الإسلامية وأدت إلى تقوية المسلمين حتى أصبحوا مثلا يحتذى به وأصبحوا شامة بين الأمم وتمكنوا من بناء حضارة متينة يشهد لها العالم بأسره.

فما أحوجنا نحن العرب في هذه الديار في ظلال ذكرى الهجرة النبوية العطرة، ما أحوجنا لإرساء صلح عام في مجتمعنا وما أحوجنا إلى إقرار مبدأ الأخوة الذي قام به الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم


الصورة للتوضيح فقط - تصوير juhide iStock

 

 

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق