اغلاق

هل من خلاص؟، بقلم: زياد شليوط

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا، هذا ما حذر منه أمير الشعراء، أحمد شوقي منذ ما يقارب قرنا من الزمان. هذه النبوءة تتحقق في أيامنا وفي مجتمعنا.


زياد شليوط - صورة وصلتنا من الكاتب

هذا المجتمع الذي كان حتى سنوات قليلة ماضية مضرب المثل في التعاضد والمساندة، في التكاتف والمؤازرة. لكن كل الماضي الجميل أضحى من ورائنا، لنعيش واقعا مغايرا لم نتصور أن يصل الينا حتى في كوابيسنا. ها نحن قد وصلنا، ولهذا كثرت المآتم في بلادنا وانتشر العويل على واقعنا ومصيرنا، فهل من خلاص؟
في بداية كل أسبوع تجهد فكرك حول ماذا يمكن أن تكتب لهذا الأسبوع، أي موضوع يمكن تناوله بالتحليل والتعليل، وأي مناسبة أفضل للحديث عنها، وما هو الجديد الذي يمكن أن تقدمه للقراء. لا تنقصنا المواضيع ولا تغيب عنا المناسبات. وربما أبرزها كان يوم الثلاثاء الماضي، يوم الذكرى السنوية لانطلاقة هبة أكتوبر (القدس والأقصى) من عام 2000 والتي حصدت أرواح 13 شهيدا من خيرة شبابنا في الداخل.

"لم يعد بالإمكان حفظ أسماء الضحايا"
لكن.. قبل أن تنتهي المسيرة المركزية في كفركنا، وبدل أن يستذكر المتظاهرون أسماء شهداء أكتوبر، كانت أفكارهم تنقلهم الى ضحايا العنف والاجرام في مجتمعنا، والذين لم يعد بالإمكان حفظ أسمائهم، وبالكاد تحصي أعدادهم، وتحولت صفحات التواصل الاجتماعي الى لوائح إحصاء بأعداد الضحايا في كل شهر وعام. وقبل أن يتوزع المحتفلون باحياء ذكرى شهداء الانتفاضة، وصلهم خبر سقوط ضحايا جدد في قرية مجد الكروم، وهل ظلّ أحد يذكر أسماء شهداء أكتوبر، أو ينتبه الى المناسبة التي جاء من أجلها. تحولت الأفكار وشدت الأنظار وتبعثرت الكلمات وسُمعت الآهات. ومن كفركنا تقاطرت القلوب الى مجد الكروم الجريحة، المنكوبة والتي أنستنا الذكرى.

"رغم الانكسار الا أن المعنويات تطال السحاب"
وفي شفاعمرو يلتقي يوميا الناس في "خيمة البناء والبقاء"، التي نصبت بجوار مدخل دار البلدية، بمبادرة من اللجنة الشعبية، لاعلان التضامن مع أصحاب البيوت التي تعرضت للهدم الهمجي في الأسبوع السابق. هناك في الخيمة يأتون من كل الأحياء ومن مختلف الأجيال، يقدمون التبرعات ويجودون بما أمكنهم به في صندوق الدعم، مشاعر الناس مع أصحاب البيت وأبنائهم، يحاولون رأب الأحلام التي تمزقت مع ضربات آلات الهدم الهمجية، ويكتمون الغضب الساطع في القلوب، ويشحذون الهمم نحو البناء وتأكيد البقاء. ورغم الانكسار الا أن المعنويات تطال السحاب، وعندما يصلهم خبر الجريمة النكراء والبشعة في مجد الكروم، تنتقل المشاعر نحو الشقيقة مجد الكروم، ويعيش الناس في هم جديد يضاف الى بحر من الهموم، ويعود الغضب ليعتمل في النفوس، لكن هذه المرة غضب داخلي، غضب من أنفسنا على أنفسنا، وتزدحم الأفكار في الرؤوس، الكل يريد الحل وما من حل في المنظور. وبدل أن يحصي النشيطون قائمة المتبرعين، يلجأ الحضور الى تعداد واحصاء حصاد اليوم من أعمال العنف. مصابان بالرصاص في دير حنا. مصاب في الناصرة. اطلاق النار على سيارة رئيس مجلس نحف. اطلاق النار على منزل رجل أعمال في شفاعمرو. وقبلها في أم الفحم وحيفا وباقة وبسمة طبعون والقائمة تطول.

"هل سيأتي يوم ونرتاح من هذا؟"
العنف، القتل، الاجرام.. الموضوع المطروح دائما على أجندتنا، الظاهرة التي قلبت حياتنا وحالنا رأسا على عقب. هل سيأتي يوم ونرتاح من هذا الموضوع لنلتفت الى مواضيع أخرى؟ هل سننعم يوما بالهدوء والصفاء الذهني، لنتبادل الأفكار ونناقش بعض في الأدب والفن، في كيفية تطوير مجتمعاتنا واللحاق بركب العلم والاختراعات؟ هل ستعود أيام الفرح الى حياتنا، ونمارس حياتنا بشكل طبيعي كما يليق بالبشر؟!

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا

 

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق