اغلاق

شرطة اكثر - هل هذا فعلا ما نريد؟، بقلم بروفيسور أسعد غانم

أدّت فورة الجريمة التي تفاقمت خلال الاسبوعين الاخيرين الى التفاف شعبي غير مسبوق واستعداد للمشاركة في عمليات الاحتجاج على الاوضاع التي آلت اليها بعض


بروفيسور اسعد غانم

بلداتنا، وقد تعاملت لجنة المتابعة بشكل فوري مع الوضع من خلال الاعلان عن سلسلة من عمليات الاحتجاج، التي قد تصل ذروتها في مسيرة سيارات ستغلق الشوارع الرئيسية في البلاد ومظاهرات جدية في المدن اليهودية ونصب خيمة اعتصام متواصلة مقابل مكتب نتنياهو.
لكن بينما اشار بعض المتداخلين في الاعلام الى ضرورة وجود مشروع جدي وشامل لمعالجة آفة العنف والجريمة، خصّ بعض اعضاء الكنيست مطالبهم في المطالبة بجهد جدي اكثر من قبل الشرطة، وقد تعامل نتنياهو مع المطلب بإيجابية –ولو على مستوى الاعلام- عندما اعلن بأنه اوعز لوزير الامن الداخلي وقائد الشرطة بتخصيص 800 عطاء لتجنيد افراد شرطة جدد، وهذا طبعا يتلاءم مع ما تعلنه الشرطة من قبل قياداتها في السنوات الاخيرة، بأنها معنية في تجنيد عرب للشرطة، وبهذا فإن مطلب بعض قيادات مجتمعنا ونتنياهو وقيادات الشرطة تصب في نفس التيار وهو المطالبة بجهود شرطية اكبر لضبط حالة الانفلات في بعض بلداتنا. وقد يكون هذا جيدا ومفيدا لو انه لا يتعارض مع مسألة جوهرية في عمل الشرطة.
لقد أتت تصريحات وزير الامن الداخلي، غلعاد اردان، العنصرية بشأن استعداد العرب لاستعمال القوة والعنف في التعامل مع بعضهم، واستعداد الأم بأن يقوم ابنها بقتل اخته لأنها "خرجت مع شخص" ، لتوضح جوهر المشكلة. القضية تكمن في عقلية ونمط تفكير عدائي للعرب وليس في اعداد الشرطيين ولا في مدى تواجدهم وقربهم من الحدث. وقد نبّه غالبية المتحدثين في الاجتماعات التحضيرية لعمليات الاحتجاج التي نفذ بعضها والبعض الاخر سينفذ قريبا، من هذه العقلية ومن تداعياتها في دعم مقصود او غير مقصود لاستفحال ظاهرة العنف والجريمة. الا انهم لم يقدموا فكرة بديلة لمطالبة الحكومة "بشرطة اكثر"، رغم وجودها في ادراج المتابعة من خلال مشروع استراتيجي جرى العمل على اعداده من قبل مختصين عرب، وقدم للمتابعة قبل اشهر.

"حلول سريعة، لن تؤدي بمجتمعنا الا الى وضعية اصعب واخطر"
هنا يجب التنبيه، ان "شرطة اكثر" تتناقض مع الفكرة التي يروج لها الكثيرون، وهي صحيحة على ما يبدو، بأن الحكومة وشرطتها متورطة ومتآمرة في قضية العنف والجريمة في مجتمعنا، فكيف يمكن ان نطالب نحن بشرطة اكثر من غير ان نشترط قبل ذلك وكمقدمة له تغييرا في النهج والسلوك والفكرة الموجهة؟ باختصار قد نورّط مجتمعنا "بشرطة اكثر" لها نفس العقلية، حتى لو شكلت غالبيتها من عرب، لكنهم، كما في كل الوزارات الأخرى، سوف يأتمرون بقاداتهم ومن فوقهم في الهرم الوظيفي، ليكونوا بنهاية الامر ادوات قد تنفذ سياسات معادية لشعبنا. وان كان هذا صحيحا في باقي الوزارات والمكاتب الحكومية، فإنه اكثر صحة في مجال الشرطة، التي تعمل كجسم شبه عسكري، وتأتي الاوامر من فوق ووفق المصالح العليا للدولة، والتي تعادي العرب في كل المجالات تقريبا.
لنفرض جدلا ان الشرطة توسعت وكبرت، وساهمت اكثر في دحر المجرمين، هذا طبعا بشرط حصول تغيير جدي في ما نسميه "مؤامرة على المجتمع العربي"، فأين سوف يقف هؤلاء في حالات هدم البيت والاعتداء على قرانا ومدننا في مناسبة وبغير مناسبة، من قبل قوات الامن؟ اين سيكون هؤلاء في حالات الاعتداء على المسجد الاقصى وباحاته او على المقدسيين اجمالا؟ او في حالات ملاحقة العمال من الضفة الغربية والذين يدخلون الى اسرائيل للعمل بدون ترخيص. اننا امام معضلة معقدة، لا تحل الا اذا تم تغيير جذري في عقلية الشرطة. واذا كانت انتفاضة القدس والاقصى لم تؤد الى هذا التغيير، فكيف يمكن ان تؤدي مجرد مطالبة او عمليات احتجاج الى مثل هذا التغيير؟ وقد اتت تصريحات اردان لتؤكد بأنه لن يكون تغيير، وان اوهام "شرطة اكثر" كحل وما يسوقه بعض القيادات وخصوصا اعضاء الكنيست الذين امتدحوا تصريحات نتنياهو، بتذكيرنا بأنهم طرحوا هذه الفكرة على نتنياهو في اجتماع سابق معه عام 2015، هي مجرد تفكير في حلول سريعة، لن تؤدي بمجتمعنا الا الى وضعية اصعب واخطر من حيث الجريمة والعنف، وربما توريط ابنائه في اوهام الحل الاتي من الخارج لينقذنا من ورطتنا، التي سببتها سياسات مقصودة اصلا، وبعض العوامل الاقتصادية والسكنية والاجتماعية التي كانت سياسات الدولة اهم مسبب لها.

"مشروع شامل يسعى الى تغيير مجتمعي شامل"
لا توجد مشكلة ليس لها حل، والعنف والجريمة، وحل "شرطة اكثر" ليس قدرا مكتوبا، لقد كنا في الماضي اقل عنفا وجريمة، وعندها كانت الشرطة اقل بكثير، لكننا امتلكنا في الماضي ارادة وطنية جماعية وقيادة موجهة عرفت كيف تجند الناس لخدمة مشروع جماعي يتطلع لتغيير جذري وجدي في اوضاعنا من حيث تنظيمنا كشعب وحصولنا على حقوقنا كأهل البلد الاصليين الذين لا يقبلون بفتات السلطة، كما في مساهمتنا في دحر الاحتلال والحفاظ على الثوابت الوطنية، في سياق مقارعة الدولة ومنظماتها، بما في ذلك شرطتها واذرعها الامنية. وحتى لو سلمنا بأقل من ذلك، فإننا يجب ان نطالب بتنفيذ مشروع شامل يسعى الى تغيير مجتمعي شامل في كل مسارات ومرافق الحياة، ابتداء بالبيت والعائلة، ومرورا بالمدرسة ودور رجال الدين ولجان الاصلاح والسلطة المحلية واللجان الشعبية وصولا الى المطالبة بتغيير جذري في العقلية التي تقف من وراء سياسات الدولة وشرطتها.
وهذا المشروع موجود كاطار عام، وتم بتكليف من لجنة المتابعة، وعمل في اطاره حوالي 150 مختص عربي. وكتاب المشروع ليس مقدسا ولا غير قابل للتغيير، ويمكن تبديل وتغيير بعض افكاره لتتلائم مع بلد هنا وبلدة هناك، لكنه المشروع الوحيد الموجود، ولا يوجد غيره حاليا، والاهم بأنه مشروع استراتيجي متكامل يتطلع الى بناء مجتمعي حصين يمكّننا من العيش كشعب يحترم نفسه، وليس الى من يتطلعون الى فتات المائدة، مثل "شرطة اكثر" كحل يتوقع ان يأتي ممن يعادون شعبنا ومجتمعنا. فهل نستمر في مسرحية "شرطة اكثر" ام نلتفت بجدية الى مجتمعنا واشكالاته ونوفر بداية لحل جذري وشامل، ولو طويل الامد، بدل توريط مجتمعنا في حلول سريعة سوف تتبدد اوهاما كونها حلولا بأسرع وقت؟

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا


لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق