اغلاق

الأزمة في مؤسّسات التعليم الأكاديمية، بقلم : إياد شيخ أحمد

ستتواصل الأزمة في مؤسّسات التعليم الأكاديميّة في السنة الدراسيّة المقبلة أيضًا، مع الانخفاض في نسبة الطلّاب الملتحقين بالجامعات، وخاصّة في الكلّيّات.


إياد شيخ أحمد مدقّق حسابات، الكلّيّة الأكاديميّة سابير وجامعة بن غوريون في النقب

تُعاني بعض المؤسّسات الأكاديميّة من انخفاض في أعداد الطلبة الذين يُسجّلون للدراسة فيها. الزيادة الكبيرة في أعداد الطلبة الملتحقين بالجامعات التي بدأت في سنوات التسعينيّات من القرن الماضي، عندما فتحت الكلّيّات الجماهيريّة أبوابها للفئات السكّانيّة التي لم تتمكّن قبل ذلك الحين من الحصول على التعليم الأكاديمي. يتجسّد التغيير الأبرز في كلّيّات الحقوق، التي تعاني من انخفاض حادّ في أعداد الطلاب بعد سنوات من الازدهار.

إقامة كلّيّات التعليم العالي
أحد أسباب الأزمة التي تُعاني منها المؤسَّسات الأكاديميّة هي الموافقة على إقامة عدد كبير من كلّيّات التعليم العالي، حتّى أصبح عددُها 62 مؤسّسة. وبالتالي، وبموازاة زيادة أعداد المؤسسات الأكاديمية، وزيادة العرض والتنافس على كلّ طالب، انخفضت شروط القبول الدنيا المطلوبة للالتحاق بالمؤسّسات الأكاديميّة تدريجيًّا. وفي أعقاب ذلك، فمن المحتمل تدنّي مستوى ونوعيّة اللقب الأكاديمي، وكذلك تنخفضُ القيمة الاقتصاديّة التي يكونُ صاحب العمل على استعداد لدفعها لخرّيجي هذه الألقاب الأكاديميّة. يُمكن أن تؤدّي الأزمة الحاليّة إلى إغلاق بعض الأقسام، المؤسّسات الأكاديميّة أو الاتّحاد فيما بينها.
 بالإضافة إلى ذلك، أدّت التغيرات في سوق العمل في العقد الأخير إلى إلحاق الضرر بالمؤسّسات الأكاديمية. واجه خرّيجو كلّيّات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة صعوباتٍ جمّة في العثور على أماكن عمل لهم في سوق العمل، كما أنّ هذه الكلّيّات تقلّصت باستمرار. علاوةً على ذلك، وفي أعقاب التغيّرات التي طرأتْ على النظام المصرفيّ والماليّ الذي أصبح نظامًا رقميًّا إلى حدٍّ كبير، مع عدد أقلّ من الفروع وعدد أقلّ من الموظّفين، فقدِ انخفض الطلب على خرّيجي مجالي الاقتصاد وإدارة الأعمال. ونتيجة لذلك، انخفض في السنوات الأخيرة عددُ الطلّاب الذين يتوجّهون لدراسة هذه المجالات. بالإضافة إلى ذلك، أحد أبرز التغيّرات هو التحوّل الذي طرأ في دراسة الهندسة. بحيث إنّ أعداد الطلبة الذين يدرسون الهندسة في عام 2018 كانت أكثر من عدد الطلاب الذين كانوا يدرسون لنيل اللقب الأوّل في مجالات العلوم الاجتماعيّة. ونظرًا لأنّ التوجّه إلى دراسة الهندسة ومواضيعالهاي-تك سيزداد على الأرجح في السنوات القادمة، فإنّ الضرر الذي سيلحقُ بالمواضيع الإنسانيّة والاجتماعيّة سيتواصل.

سوق العمل
تغيّر في السنوات الأخيرة بروفايل الطالب العادي. فالذين وُلدوا في عام 1995 وما بعده، الذين يُطلق عليهم الجيل زد، الذين وُلدوا في العالم الرقميّ، يدخلون بشكل مبكّر إلى سوق العمل أكثر ممّا كان عليه الحال في العقود السابقة. كما أنّ وتيرة حياتهم أسرع ويسعون للحصول على نتائجَ سريعةٍ. ولهذا السبب، يتوجّه الكثيرون منهم إلى دراسة الدورات في مجال التأهيل المهني التي تتيح لهم الانخراط في سوق العمل بشكل فعليّ أثناء فترة الدراسة، دون الانتظار حتّى نهاية اللقب الأكاديميّ الذي يستغرقُ ثلاث سنوات على الأقلّ ويتطلّب استثمارًا ماليًّا كبيرًا.
مع ذلك، فإنّ وظيفة الكلّيّات الجماهيريّة في إتاحة الالتحاق بالتعليم العالي لا تزال قائمة، وأيّ مساس بها سيمسّ بالأساس بالفئات السكّانيّة الضعيفة. فعلى سبيل المثال، أتاحتْ مدرسة الحقوق في الكلّيّة الأكاديميّة سابير، "وهي المكان الوحيد لدراسة القانون في الجنوب"، في العقد الأخير فرصة كبيرة أمام السكّان في الجنوب لدراسة القانون برسوم تعليم جامعيّة، بموازاة الحفاظ على المستوى الأكاديمي العالي، بحيث تعتبر في طليعة المؤسّسات التي ينجح الطلّاب فيها في امتحان نقابة المحامين.
يوسّع التعليم العالي والدراسة للقب الأكاديمي آفاقَ الطلّاب من الفئة الشبابيّة ويزوّدهم بالأدوات التي تمكّنهم من مواجهة الكثير من التحديات في مناحي الحياة، كما أنّه يعمل على تهيئتهم للدراسات العليا، ويؤهّل الباحثين ورأس المال البشري عالي الجودة. إلّا أنّ المؤسّسات الأكاديميّة، والكلّيّات الجماهيريّة بالذات، لن يكونَ بوسعها مواجهة هذه التحدّيات من دون تلقّي المساعدة من وزير التربية والتعليم الجديد، ومن مجلس التعليم العالي. يتعيّن على هذه الأطراف معًا بلورة خطّة استراتيجيّة على وجه السرعة، لإجراء تغيير في بنية اللقب الأكاديمي بغية جعله أكثر مرونة وتلاؤمًا مع الوضع في سوق العمل، ورصد الميزانيّات الملائمة للحفاظ على جهاز التعليم العالي في إسرائيل. بالإضافة إلى تعزيز مجال دراسات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. لا ريبَ في أنّ التعليم العالي النوعيّ هو المحرّك الرئيسي لنموّ الاقتصاد، ولذلك فإنّ من بين الخطوات الأولى للحكومة الجديدة هي صياغة خطّة حكوميّة تساعد مؤسّسات التعليم العالي للتعامل مع الأزمة العميقة التي من شأنها أن تؤدّي إلى تدهورها والمسّ بالمرافق الاقتصاديّة بأكملِها على المدى البعيد.

 

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق