اغلاق

مشهد في آفة الفساد ، بقلم : رافي مصالحة

إتكأ على المنضدة التي اعتلاها غبار المقهى الرّابض على صدر الحيّ المنسيّ والمشكوك بحقيقة وجوده في خارطة الزمان أو كينونته في إدراك ووعي "زبانية"


رافي مصالحة

السلطة في العاصمة التي تستتر في بقعة ما  خلف آفاق الوطن المتثائب, وغاص في لُجّة أفكارٍ مُتزاحمةٍ تتلاطم في ذهنه وترهقه بصداعٍ سَلَب من جفنيه وَسْنَ الكرى. وطفت في عقله التساؤلات: "هل أنا فاسد ؟ وكم درجة فسادي في سلم المُفسدين ؟ وهل وصمي بالمفسد يقتضي محاسبتي، أم أن زمالة الفساد التي تربطني بالمسؤولين الأرقى (فساداً !) ستجعلهم يغضون الطّرف عني عندما يُمسي الفساد شرعيا ومسلما به كزرقة السماء وخضرة المروج وشروق الشمس لدى سنا الضحى ؟".

كان موظفا صغيرا في قسم المحاسبة في البلدية. ولم يكن يملك الطاقة على اختلاس الملايين والارتشاء حدّ الغنى ونهب الثروات التي تجري في قنوات متشعبة الفروع حتى إذا ما بلغت قيد تنفيذ مشروع ما, تلاشت وكأنها تبخرت الى فضاءات العدم.

كان فساده محصوراً على مقاسه الصغير, مثل استغلال آلة التصوير في مكتبه في البلديّة, التي نسخ خلالها صفحات من كتب احتاجها ابنه "الفاسد" لدراسته وواجباته المدرسيّة, كي يسرق منها نصوصا يزجها في وظائفه على أنها ثمرة فكره وإبداعه, ويقدمها لمعلمه "الفاسد" الذي يغضّ الطّرف عن سرقة تلميذه ويُمكنّه من علامة النجاح في مادةٍ, لم يفقهها التلميذ يوما, مقابل مبلغ من المال كان قد سرقه التلميذ من محفظة أمه "الفاسدة", التي اختلست النقود أصلا من جيب زوجها بحجة الانفاق على حاجات البيت بينما كان هدفها المكتوم فستانا قررت اقتناءه برغم الحاجة والعوز الذي طغى على العائلة, وليعطي المدرّس النقود بدوره لزوجته "الفاسدة" بغية إنفاقها على ترميم تضاريس وجهها الذي اكتسى تلالا وجداول واغوارا عند طبيب التجميل "الفاسد" الذي يبيع للمُسنات, بأثمان فاحشة, وَهمَ جمالٍ لا وجود له سوى في مخيلاتهن السقيمة دون أي مبالاة لثمن وكلفة تلك الأوهام.

في أوج خيالاته, داعب آذان الظهر أسماعه فأجفل كأنه استيقظ من أعمق الرؤى وطفق يتفحص حول مقعده في ذهول خشية أن يكون ثمة من استرق السمع لما جاشت به خواطره. وسارع ليتوضّأ للصلاة والأفكار كأنها تغلي وتفور في مرجل عقله المتّقد.

لكنه  كان مُدركا تماما في قرارة نفسه, أنّ الآثار المدمّرة لتفشّي الفساد المقيت إذا ما طالت مقوّمات الحياة فسوف تهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات وتنقلب إلى منظومة تخريب وإفساد وتسبّب تراجعا في عملية التنمية والتقدم ليس على المستوى الاقتصادي والمالي لقطاعٍ بعينه فقط, بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي الشامل للوطن برمّتهِ.

إذا ما غزا الفساد أخلاقيات العمل والقيم الاجتماعيّة, فسوف تشيع حالة ذهنية تسبغ على الفرد ما يبرّر الفساد والقيام به، ويجرّه للتّعامل مع الآخرين بدافع المادية والمصلحة الذاتية، دون مراعاةٍ لقيم المجتمع الّتي تتطلّب ولو اليسير من مراعاة المصلحة العامة. الفساد في جوهره حالة تفكّك تعتري المجتمع نتيجة فقدانه لسيادة القيم الجوهرية ولعدم احترام القانون وعدم تكريس مفهوم المروءة والأمانة بشكلهما  الصحيح.

الفساد هو الفساد مهما كانت التسميات والحيثيات، سواء كان سرقة رئيس السلطة (الفاسد) للملايين التي يقتطعها من أثمان المناقصات, أو سرقة الموظف البسيط (الفاسد) لأوراق التصوير أو تهربه من وقت الدوام.  الفساد هو أن يحصل المعلم (الفاسد)على أجر ساعات تعليم لا يقوم بها, أو ساعات تعليم يهدرها (رغم حضوره) سدى, أو التغيب عن الدراسة أياما إزاء ناظريّ المدير (الفاسد) الذي لا يتورع عن إيجاد غطاء للمعلم الفاسد ويهبّ للذود عنه (باطلا) في كل محفل تاركا لآفة الفساد التعليميّ أن تبيض وتفرّخ لإنشاء أجيال من الجهلة يشدّون ركب الحضارة نحو الوراء عقودا طِوال.  الفساد مثل الجرثومة المُعدية، تنمو في البيئة الصالحة لتكاثرها,  ألواهنة المناعة والرقابة, فما أكثر الفساد في المؤسسات ضعيفة "القوانين الزجريّة المانعة والصارمة" وقليلة "الرقابة الشاملة" التي لا تعرف غضّ الطرف والتعامي عن الخلل, ولا ترضى المُهادنة ولا الإستثناءات.

سأل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص, حين ولّاه على مصر : "إذا جاءك سارق ماذا تفعل به ؟".  قال: "أقطع يده". فقال عمر (في إشارة واضحة للفساد الإداريّ): "وأنا إن جاءني جائع ، قطعت يدك .!!".

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق