اغلاق

كلمة الشيخ موفق طريف بمناسبة زيارة مقام النبي شعيب

بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين علاّم الغيوب ومفرّج الكروب وستّار العيوب وألف صلاةٍ وسلام على نبيّه الهادي المحبوب، وعلى إخوته الأنبياء


الشيخ موفق طريف - صور من المجلس الديني الدرزي

الطّاهرين الدّاعين إلى أشرف غاية وأعظم مطلوب.
إخواني أبناء الطّائفة الدّرزيّة في كلّ مكان، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
في مثل هذه الأيّام، ومنذ نحو مئة وخمسة وثلاثين عاماً، تحتفل طائفتنا بحلولِ زيارةِ مقام نبيّ الله شعيب عليه السّلام، والّتي تطلّ علينا في الخامس والعشرين من شهر نيسان في كلّ عام، لتذكّرنا برسالةِ خطيب الأنبياء ومعلِّمهم سيّدنا شعيب عليه الصّلاة والسّلام، ويجتمع عادةً في رحابِ مقامِهِ الشّريف قربَ حطّين، المشايخ ورجالُ الدّين على الصّلوات وأداء العبادات، مبتهلينَ إلى الله تعالى أن يعمّ الأمنُ والأمان فوق ربوعنا المقدّسة، وفي كلّ بقاع الأرض.

رسالة مباركة
في مركز هذه المناسبة الجليلة، نستذكر فضائل ونفائس نبيّ الله شعيب عليه السّلام حيث كانت رسالته المباركة دستورا للإنسانيّة جمعاء، فقد أنبأت القصص والتّراجم أنّه قام في قومه شابًّا، يدعو الناس إلى إيفاء الكيل والميزان بعدما اعتمدوا الغشّ في البيع والتّجارة، ليكون بذلك قد لقّن مجتمعات العالم درسًا في كيفيّة بناء المجتمع الصّالح القائم على العدالة والمساواة، وانّه جمع في شخصه المبارك رسالة النبيّ الدّاعي إلى عبادة الله وتوحيده، ورسالة المطالب بالحقّ والمبادر إلى الإصلاح مهما شقّ الطّريق.
للمرّة الأولى منذ عشرات العقود على زيارة المقام، تأتينا هذه الزّيارةُ مصحوبةً بغصّةٍ في ظلّ انتشار وباء الكورونا الخبيث، الّذي أغلق أبوابَ بيوتِ العبادة وزعزع استقرار دول العالم أجمع، محتّمًا علينا أن نلغي مراسمَ الزّيارة لهذه السّنة، حِرصًا على صحّة المجتمع، وحفاظًا على سلامة الزّائرين، مُكتَفينَ هذا العام بزيارة القلوب والضّمائر، الّتي هي أثمنُ وأجلّ من زيارة الأجساد.
وما من شكّ أنّ هذا القرار الّذي تم اتّخاذه هو قرارٌ صعبٌ موجع، ولكنّه بالتّأكيد حتميٌّ ولا مفرّ منه في أعقاب التّطوّرات الصّحيّة الأخيرة.

أمانة مقدسة
إخواني وأخواتي، ممّا لا اختلاف عليه أنّ هذه الأزمة أرخت سوادها على مناحي كثيرة من الحياة، في حين هدّدت اقتصاد بيوت كثيرة، وفرضت قيودًا على جداول أعمالنا، وأجبرتنا على تغيير عاداتنا ونهج حياتنا دون سابق إنذار. على الرّغم من هذا كلّه فقد حملت لنا أيضًا درسًا وحكمةً وعبرة، وذكّرتنا أنّنا لا زلنا مع كلّ التّقدّم بشرًا ضعفاء، وأنّ لهذا الكون ربًّا أقوى وأعظم.
وفي ذروة ما وصل إليه الإنسانُ من علمٍ وفهم، لا زال التّاريخ يثبت مرّة بعد أخرى قصر العقول الإنسانيّة عن إدراك أبعاد هذا العالم العظيم، رغم كلّ ما بلغه البشرُ من تقدّمٍ كبير. ها هي مختبراتُ المشافي والجامعات، الّتي جهّزها العلماء بأحدث المعدّات وأدقّ التّفاصيل، تعلنُ لمن صنعها أنّها عاجزةٌ عن إيجادٍ حلٍّ لمرضٍ لا تراه العينُ المجرّدة، وتذكّرنا أنّنا وإن وصل بنا العلمُ لنحصيَ ذرّ الرّمال في الصّحراء، أو عدد قطرات المطر في الغيوم، يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا دائمًا: من يا تُرى حرّك هذا كلّه؟ إنّه الله القادر الّذي لا يحدّه شيء ولا يعجزه شيء.
وهنا، يجب أن ننوّه ونشدّد، أنّ الإيمان لم يكن يومًا عذرًا أمام اللّامبالاة وتعريض النّفس والغير لخطر الوباء، حيث أنّ المداراة والحرص على الصّحّة والسّلامة هو واجبٌ اجتماعيٌّ ودينيّ، لا يتنافى الباتّة مع فضيلة الرّضى والتّسليم، وذلك لكون قدسيّة الحياة قيمةً مهمّةً تطالبنا كلّ الأديان أن نرى فيها أمانةً مقدّسةً، ويتوجّب علينا أن نحافظ عليها ونرعاها. عليه، فإنّا نتوجّه إليكم جميعًا ونطالبكم باتّباع تعليمات وزارة الصّحّة وتطبيق بنودها، ومتابعة المراسيم الصّادرة عن الهيئة الدينية، لنكون عونًا ودرعًا في التّصدّي لهذا الدّاء المستشري الخطير، ونحافظ على سلامتنا، سلامة عائلاتنا، وعلى السّلامة العامّة. هكذا يتمّ الإيمان ويعظمُ الأجر وتُحمد العاقبة.
إخوتي وأخواتي، لا بدّ أن نتذكّر في مثل هذا الحدث الجليل، أنّ الزيارةَ كانت ولا تزال وستبقى رمزًا للاجتماع على الكلمة الواحدة ووحدة الصّفوف، وإرثًا تاريخيًّا وتراثيًّا مقدّسًا، يجبُ علينا أن نرعاهُ ونحافظَ عليه لنربّي جيلًا موحّدًا واعدًا، يحترم تاريخَه ويسعى إلى جعل الماضي منارًا للحاضر والمستقبل، إلى جانب صون الهويّة التوحيدية المميّزة، الّتي نفتخر بها كلَّ افتخار.

نجدد الايمان في نفوسنا
هلمّوا بنا في هذه الأيّام نجدّد الإيمان في نفوسنا، نسامح ونعفو ونغفر، متجاوزين عن الهفوات والأخطاء، وفاتحين قلوبنا أمام نور الإيمان. هلمّوا نملأ عقولنا بعبق التّوحيد، ونقوّي العزائم والسّعي الحثيث وراء التّقدّم الّذي لا نفقد معه دينًا ولا تراثًا، وإنّما يخلّد رسالة ديننا التّوحيديّ ويعمل على نقلها جيلًا بعد جيل.
من مقام نبينا الأكرم شعيب، نبتهل الى الله تبارك وتعالى أن يوفّق أبناء الطّائفة الدّرزيّة أينما كانوا وأينما حلّوا، وأن تعود الزّيارة في العام المقبل، وتقام الصلوات والابتهالات في المقام الشريف وأنتم في صحّة وطمأنينةٍ وعافية.
   في هذا السّياق، لا بدّ أن نذكّر أنّ عيوننا لا زالت متطّلعةً دائمًا إلى أخبار إخواننا وأهلنا في سوريا، لبنان، الأردن ودول المهجر، على أمل أن نحظى برؤياهم قريبًا، ونعيد معهم ما سلفَ من اللّقاءات التّاريخيّة المؤثّرة، الّتي جمعت أبناء الطّائفةِ وشيوخِها في الماضي على أرض المقام.

وحدة الصفوف
وفي هذه المناسبة نعود ونجدّد دعوتنا إليهم مع حلول هذه الزّيارة المباركة إلى المحافظة على التآلف ووحدة الصّفوف، متغاضين عن الخلافات والفتن، ومستذكرين أنّ القاسم المشترك الّذي يجمع أبناء الطّائفة حول العالم، سيبقى أكبر وأجلّ من أيّ اختلاف في الآراء والمبادئ ووجهات النّظر، مؤكّدين بذلنا للغالي والنّفيس من أجل الوقوف إلى جانبهم، وشدّ عضدهم من منطلق فريضة "حفظ الإخوان".
في النّهاية، نبارك لجميع أبناء الطّائفة الدّرزيّة مرّة أخرى هذه الزّيارة، وندعوهُ تبارك وتعالى ببركة نبيّنا شعيب عليه السّلام، أن ترتفع غمامةُ المحن والحروب  والوباء عن المعمورة أجمع، وأن يبدّل اللهُ الخوفَ أمنًا، والحرب سلمًا والمرضَ عافية.
كلّ عام وأنتم بألف خير، وزيارة مقبولة باخلاص النية وصدق الدعاء وصفاء القلوب للجميع.

لمزيد من اخبار محلية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار محلية
اغلاق