اغلاق

عندما تمطر المعشوقة ‘ لؤلؤًا ‘ ، بقلم: د. محمد حبيب الله

كثيرة هي قصص العشق عند العرب وكثيرا ما ارتبط اسم العاشق بأسم محبوبته، فقد تسمى قيس ابن الملوح "مجنون ليلى" ولُقِبَ الشاعر جميل ابن معمر

                      
   
صورة للتوضيح فقط - تصوير juhide-iStock  

 بـ "جميل بثينه" من شدة ولعه وهيامه بها واقترن اسم عنتر بن شداد بأبنة عمه "عبلة" وشاع اسمهما بين الناس "عنترَ وعبلةَ" هذا بالاضافة الى شعراء كثيرين من اصحاب المعلقات افتتحوا معلقاتهم بذكر المحبوبة مثل طرفة بن العبد "بخوّلة". والقصة التي نحن بصددها في هذا المقال هي قصة الشاعر يزيد ابن معاوية مع معشوقته التي ذاب بها عشقاً واضناه الكمد بسبب حبه لها الذي وصل الى درجةٍ لو كان فيها "ميتاً" من الظما (العطش) وقالت له "قف عن ورود الماء" لاستجاب لها وارتد عن الماء وامتنع عن شربه, اما هي فحين سالت عن حاله وقيل لها: "ما فيه من رمق" دقَّت يداً بيدٍ اسفًا عليه.
وامطرت لؤلؤاً من نرجسٍ وسقط وردا وعضَّت على العنّاب بالبردِ
وانشدت بلسان الحال قائلةً من غير كرهٍ ولا مُطلٍ ولا مَدَدِ
والله ما حزنت اختٌ لفقد اخٍ حزنًا عليه ولا ام على ولدِ
وقد قال الشاعر المعروف فاروق شوشة والذي ذاع صيته في حينه من الاذاعة المصرية، عندما اورد في برنامجه "لغتنا الجميلة" البيت الشعري الاول اعلاه :" وامطرت لؤلؤاً من نرجسٍ...."   
  يقول فاروق شوشة في كتابه "لغتنا الجميلة" :ولا اظن ان كتاباً من كتب البلاغة العربية يخلو من هذا البيت الشعري المأثور يُستشهَد به على تتابع الاستعارات والصور الشعرية... وكثيرا ما تتملك القارئ الدهشةَ والغرابةَ عند سماع ِ هذا البيت من الشعر لشاعرٍ أفتُنَّ في وصف هذه الباكية المنتحبة حتى صوّرَ دموعها لؤلؤاً وعيونها نرجساً وخديّها ورداً وشفتيها عُناباً واسنانها بَرَداً, كل هذا في بيت واحد من الشعر ان هذا الشاعر المفتون هو "يزيد ابن معاوية". ولكي نشبع فضول القارئ نسوق له في ما يلي بعضاً من ابيات هذه القصيدة الجميلة واصفاً اياها بأنها:
أُنسيّةً لو رأتها الشمسُ ما طلعت من بعد رؤيتها يوماً على احد
سالتها الوصل قالت: لا تغرُ بنا من رام منا وصالاً مات بالكمد
فكم قتيل لنا بالحب مات جوىً من الغرام، ولم يبدئ ولم يُعد
فقلت استغفرالله الرحمن من زلل ان المحبّ قليل الصبر والجَلَدِ
قد خلفتني طريحا وهي قائلة تأملوا كيف فِعلُ الظبي بالاسد
قالت لطيف خيال زارني ومضى بالله صفهُ ولا تُنقِص ولا تزد
فقال: خلفته لو مات من ظمأٍ وقلتِ: قف عن ورود الماء لم يرد,
واسترجعت سالت عني، فقيل لها ما فيه من رمقٍ دقت يداً بيد
وامطرت لؤلؤا من نرجسٍ وسقت ورداً، وعضَّت على العناب بالبرد
ان يحسدوني على موتي فوا اسفي حتى على اموت لا اخلو من الحَسَدِ
                                             
فهي في البيت الاول انسيَّةٌ لو رأتها الشمس لا تطلع على احد بسببها، وعندما سألها في البيت الثاني الثالث "الوصل" اجابته بقولها "من رامَ مِنّا وصالاً مات بالكمد" فكم قتيل لها فالحب مات من فرط الجوى والغرام، وعندما قال لها الشاعر في البيتين الرابع والخامس " اِن المحب قليل الصبر والجَلَدِ وانها خلفته طريحاً من شدًّة العشق" قائلًا:" انظروا وتأملوا كيف يفعل الظبي بالاسد". وحين سألت هذه المعشوقة طيفَ الخيال الذي زارها ان يصفهُ لها دون زيادة او نقصان، اجابها (في البيتين السادس والسابع) انه قد تركه في حال يرثى له وأنَهُ لو كان ميّتاً من العطش وأمرته ان يقف عن شرب الماء لا يشرب. وعندما الحًّت بالسؤال على الخيال الذي زارها (البيت الثامن) قال لها انه تركه في حال ليس "فيه من رَمَق". عندها دَقَّت يداً على يد اسفاً وبدأت بالبكاء الشديد عليه، حيث شبّه الشاعر دموعها التي سكبتها (البيت التاسع) بحبّات اللؤلؤ التي سالت من عيونها التي شبّهها الشاعر بالنرجس وشبّه الدموع بقطرات اللؤلؤ التي تنحدر على ورد الخدود ثم عًضَّت المعشوقة على شفتيها بأسنانها حيث شبّه الشاعر ذلك بالعًضّ على عِنّاب الشفتين بالأسنان التي تشبه حبات البرد. واخيراً يقول الشاعر (في البيت العاشر) مخاطباً الذين يحسدونَهُ على موتِهِ المنتظر بسبب شِدَّة العشق: "حتى على الموت لا اخلو من الحسد.         

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق