اغلاق

‘كولومبا‘ ، قصة بقلم : ناجي ظاهر

لاحقتها صورة ذلك الرجل، منذ ساعات العصر حتى ساعة متأخرة من الليل. عبثا حاولت ان تصرف النظر عنها. عبثا حاولت ان تتناساها. كانت كلما حاولت ان تشغل

 
صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock 

نفسها بواحد من اشيائها الصغيرة ترى امامها وبين يديها ذلك الرجل السبعيني الغريب. لاحقتها صورته الى كل مكان وُجدت فيه. رافقتها الى دكان بائع الخرز، وسارت الى جانبها وهي تدخل الى دكان التذكاريات لتشتري كعادتها عقدًا او حجرًا ساحرًا. منذ وقع نظرُها عليه في ذلك الشارع الغريب، حتى شدّها شعورٌ اليه وقال لها ما لم يستطع نصفُ قرن من الزمان ان يقوله..

منذ فتحت كولومبا عينيها على الدنيا.. منذ تفتح وردُ وعيها على الحياة، ادركت بحاستها الرهيبة المرهفة ان اباها ليس اباها وان امها ليست امها. كان ذلك عندما تساءلت بينها وبين نفسها، عن سبب عدم وجود اخ او اخت لها، وبقيت تحفر الى ان اكتشفت ان من ربياها ليسا والديها البيولوجيين، عندها لم يعد امامها غير امر واحد، هو ان تواجه من ربتها قائلة "صحيح انك لست امي"، فما كان من تلك المرأة الا ان فتحت فمها دهشة واستغرابا ولم تغلقه الا لحظة عاد زوجها واخبرته بما سألتها عنه كولومبا. عندها نادى الرجل كولومبا قائلا لها  ان ما خطر لها صحيح وانهما، هو وزوجته، ليسا والديها البيولوجيين وعندما رأي دمعةً حارة توشك ان تهمي من عينها اضاف يقول: "اهلك اللي ربوك". في اليوم التالي ابتدأت كولومبا في الخطوة الاولى في رحلة الالف ميل من البحث عن والديها، فأخذت تبحبش في كل مكان وزاوية، واضعة في حسابها ان اهلها لا يمكن ان يكونوا اناسا من بسطاء الناس، مثل اولئك اللذين ربياها. زاد حسابها هذا انها تمتعت بوجه جميل سبحان من صوّر، وهواية لا تعرف كيف كبرت معها يومًا اثر يوم، هي حب الخرز والحجارة على اختلاف انواعها. لقد بحثت كولومبا عن جذورها حتى تعب التعب، ولم يعد بإمكانها ان تبحث اكثر.. فكفت عن البحث. وكان ان داهمتها الايام فمضت تغذّ السير حتى بلغت الاربعين من عمرها.. بين الاربعين والخمسين مات مربياها.. بعد ان المت بهما الامراض، لتبقى هي وحيدة. بقي وضعُها على هذا النحو الى ان وقع نظرها اليوم في شارع الكازنوفا الغريب الموحش على ذلك الرجل الغريب، فأحست انه والدها، هذا الشبه الرهيب بينهما هما الاثنين، هو وهي، لا يمكن ان يكون عبثيا. انه ابوها.. ابوها.. ابوها. لقد حانت اللحظة الحاسمة في حياتها، وها هو الفرع يلتقي بأصله.. وزيادة في نشوتها الحُلمية تناولت تلفونها الخلوي والتقطت صورة لذلك الرجل، مؤكدة لنفسها انه في حوالي السبعين من عمره، فاذا ما افترضنا انه كان في العشرين يوم ولادتها، تواءمت الامور كلها واستوت امورها.. كما ينبغي لها ان تستوى.

فتحت عينيها وأغمضتهما، وكان لا بد لها من ان تقرر. قرارها حملها على جناحيه المفرودين المحلّقين وقذف بها من شارعها الخلفي الى شارع امامي، وهذا قذفها بقوة صاروخية الى شارع الكازنوفا. هناك امام فندق الكازنوفا توقفت تتساءل كيف يمكنها ان تدخل اليه وان تلتقي بذلك الرجل بابيها دن ان يعترض طريقها احد. لم تتساءل كثيرا عن كيفية الدخول والعثور على ابيها. تسلّلت إلى غرفة العمال، وتمكّنت بعد انتظار وصبر جميل من ان ترتدي ملابس احداهن، طرقت الباب الاول والثاني فالثالث وبعده الرابع، وكان كلما اطل عليها مَن في الغرفة ابتسمت في وجهه فبادلها الابتسامة مستغربًا، اما هي فكانت تبتسم وتمضي كأنما هي من كلّفتها ادارة الفندق بان توزع الابتسامات على نزلاء فندقها ترغيبا لهم في المدينة المقدسة مدينة البشارة وترييحا لأعصابهم.

كانت كولومبا كلما تحرّكت اكرة الباب امامها انفعلت بشدة مصيرية، وتوقّعت ان يمضي خمسون عاما، حتى ينفتح الباب في وجهها، فيطل والدها من هناك اطلالته الحنونة اللآسرة، مرحّبًا مهللًا، بيد انها لم ترَ ذلك الوجه البهي الشبيه بوجها، الا عندما انفتح الباب الخامس. دقّ قلبُها ودقّ كأنما هو يدق اول مرة في الحياة. انتابها توتّر حافل بالشوق، ابتسمت. سرت عدوى ابتسامتِها نحو الصورة المعلّقة على الجدار خلفها، وسرت لتتلبّس الوردة المسترخية في اصيصها هناك في احدى الزوايا. بل ان ابتسامتها سرت الى الرجل قبالتها فاطلق ابتسامة ابٍ فصله نصف قرن عن ابنته. جن جنونها، هتفت ناسية العالم حولها ومتحديةً الصمت والليل..  هتفت من اعماق شوقها، قالت "مؤكد انك ابي"، ابتسم الرجل مستغربًا تلك المفاجأة الليلية، لم يكن امامه من امر سوى ان يبتسم.. تلك كانت مفاجأة غريبة حافلة بالدهشة. نظر الى وجهها، رأى في عينيها دمعةَ فرحٍ ولهفة. لتفاجئه مكررةً" لا تقل انك لست ابي.."، واضافت وسط انفعالها" قل لي انت ابي".
فتح الرجل باب غرفته على مصراعيها.. دخل الاثنان كأنما هما يدخلان الى مغارة الاسرار، جلس كل منهما قبالة الآخر، وراح يحدّق فيمن قبالته متسائلا عما يحدث، سألها الرجل من اعماق دهشته" من انت؟"، فردّت من اعماق رغبتها" الا تلاحظ الشبه بيننا؟"، بدا المزيد من الحيرة على وجهه وقبل ان يخرج مما هو فيه من مشاعر مختلطة، اجابته قائلة" لقد بحثت عنك نصف قرن من الزمان.. وها انذي اراك امامي.. الحمد لله"، "لكنني لست من هذه المدينة"، قال الرجل بمزيد من التخبط والحيرة، فردّت بسرعة من يعرف" اعرف اعرف هذا"، "ماذا تعرفين يا ابنتي؟" سأل الرجلُ، فردّت كولومبا" اعرف انك لست من هذه المدينة. منذ سنوات بعيدة شعرت ان جدذوري تضرب في بلاد بعيدة ومرافئ بعيدة بعيدة عن هنا عن هذه البلدة. اعرف انك جئت إلى هنا عندما كنت في العشرين وان علاقة ربطتك بأمرة جميلة جدًا.. وانه لم يكن امامها وقد عدت إلى بلادك سوى ان تلدني وان تتخلّى عني لأنها لم تعرف كيف تتصرف".

ارسل الرجل نحو كولومبا ابتسامةَ من ادرك الاجابات عن كلّ ما احاط به وانهمر عليه من اسئلة، لقد فهم كل شيء، الآن بإمكانه ان يجيب عن سؤالها العصيّ الصعب، انها واهمة ويخلق من الشبه اربعين. ما ان فتح فمه لينطق بما اراد ان يقوله حتى رأى دمعةً رهيبة في عيني كولومبا، فدنا منها.. احتضنها بحنوِّ أبٍ يقتله الشوقُ إلى ابنته الضائعة منذ نصف قرن.. واكثر؟   


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق