اغلاق

حين يُصَوِّت الموتى - بقلم : المحامي زكي كمال

رغم الحديث المعتاد بعد كل انتخابات برلمانية حول نسب التصويت في القطاعات السكانية المختلفة والاشارة الى نسبتها المرتفعة لدى اليهود الحريديم المتدينين

 
المحامي زكي كمال

 والتي " أنجبت " اقوالاً شهيرة ساخرة منها " ان الموتى الحريديم يُبْعَثون يوم الانتخابات للتصويت ومن ثم يعودون الى قبورهم ويواصلون موتهم " إلا أن الانتخابات عادة يحسمها الأحياء الذين يكلفون أنفسهم عناء الوصول الى صناديق الاقتراع في كافة الظروف، مع تفاوت نسبهم ومدى جديتهم في ذلك خاصة في المجتمع العربي، وكم بالحري في ظل الكورونا المتفشية وما قد يرافق الانتخابات القريبة من عزوف بسبب انقسام وتفتت المشتركة او تخويف وترهيب على شاكلة قانون الكاميرات او الـ "  Fake News " الذي يشكل ارضاً خصبةً لمعلومات مضللة تخيف المواطنين العرب من الوصول الى صناديق الاقتراع. 
لكن يبدو ان الأمر سيكون مختلفاً في الانتخابات القريبة التي لم ترتفع نارها ولم تشتد وتيرتها بعد، بل انها ما زالت تراوح مكانها دون مواجهة حقيقية بين الأحزاب المختلفة، ورغم ان الأحياء هم من سيتوجهون الى صناديق الاقتراع إلا ان " أصوات الموتى " او " تعداد أصوات الموتى " هو ما سيحسم الانتخابات خاصة إذا ما رافقه جهد اعلامي بدأت ملامحه منذ أيام يتخلله تركيز على تكرار أسماء وقصص الموتى الذين أوقعتهم الكورونا وطريقة ادارتها الفاشلة من قبل الحكومة التي جاءت قراراتها سياسية قبل ان تكون طبية او اقتصادية لتوقع الضحايا والموتى ولتخلف المصائب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية التي لا يعلم مداها او موعد انتهاء تأثيراتها السيئة  الا الله، فعناوين الانتخابات القادمة تبدو واضحة للعيان : لا سياسة، لا أيديولوجية، لا قضية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لا اقتصاد ولا رفاه اجتماعي بل كورونا ثم كورونا ثم تطعيمات وعودة الى الكورونا وهكذا دواليك، خاصة ان الحكومة أصرت بأن اسرار قراراتها لمكافحة الكورونا سيفصح عنها بعد ثلاثين عاما ً وكأنها أسرار الأمن القومي.

" المرتبة الاولى عالميا "
وكما في كل قضية وعملاً بالقول الشهير " ما نراه من هنا، لا يرونه من هناك " فإن الكورونا تبدو لأول وهلة في بعض منشورات وتعليقات وتغريدات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وفي  واقعه البديل وعرفه وعرف من لف لفه ومن أراد محاباته،" امراً ايجابياً  ومثار فخر واعتزاز بل سبباً لميداليات امتياز تزين الصدر"، وكيف لا " فإسرائيل تحتل المرتبة الأولى عالمياً في عدد ونسبة المتطعمين " وهي " الأولى التي حصلت على التطعيم وبالملايين من الوجبات" ، بل انها " قررت ان تَرْكُنْ جانباً مئات آلاف وجبات التطعيم وان تتلفها حتى " ، وهي " منارة للجميع من حيث مواجهة الكورونا " وفوق كل ذلك وقبل كل ذلك هي الدليل لكل من سولت او تسول له نفسه حق التشكيك في " فوقية وتفوق " نتنياهو على غيره من المرشحين والطامحين الى العرش والطامعين به باعتباره القائد الفذ الذي سبق الجميع الى التطعيمات وحقق السلام ووزع العطايا على الرعايا ووقف سداً منيعاً امام التدهور الاقتصادي وغير ذلك من " إيجابيات الكورونا في نظر نتنياهو" او " حسن حظ الدولة لوجود نتنياهو رئيساً للوزراء وبطلاً خارقاً في مواجهة الكورونا".
من الجانب الاخر، وفي برامج باقي الأحزاب المتنافسة في الانتخابات، وكما هو الواقع الحقيقي تقف الكورونا الحقيقية، أداء حكومي ضعيف الى حد الفاشل، قرارات متأخرة ومترددة ومتلعثمة، اعتبارات سياسية سبقت الصحية وتفضيل لرضى الحلفاء السياسيين لرئيس الحكومة على حساب صحة المواطنين ومصير المصابين بالكورونا، تساهل في تطبيق القيود والتقييدات وتنازل حتى عن تطبيق الغرامات باستثناء المجتمع العربي الذي " امتازت الشرطة فيه في توزيع وفرض الغرامات "ما جعلها ربما تقصر" معذورة!" في مكافحة العنف، وآفة اقتصادية نتيجتها انهيار مئات آلاف المصالح التجارية الصغيرة والمتوسطة تعزيزاً لسياسات " إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء"  وأضرار ستبقى ماثلة لسنوات وسنوات ستلقي بمئات الالاف الى هاوية الفقر والبطالة وربما الى " الهرب من البلاد الى مكان يكون الإحباط فيه اقل – برلين مثلاً " وانهيار للجهاز التعليمي وفقدان عام ونيف من حياة مئات آلاف الطلاب التعليمية ما سيعني حتماً استمرار بل تسارع تدهور إسرائيل في سلم الامتحانات الدولية (بيزا وغيره) وسلم ترتيب الجامعات الاسرائيلية في قائمة الجامعات والكليات والمعاهد البحثية المتميزة عالمياً، وفوق كل ذلك اكثر من 5500 ضحية للكورونا حتى اليوم ستزداد لتفوق 6000 او اكثر حتى الانتخابات، من الرجال والنساء والاطفال يهوداً وعربا من كافة التوجهات والأطياف الدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

" العامل الذي سيحسم الانتخابات "
شهر ونيف تفصلنا عن الانتخابات القادمة والكورونا هي العنوان الاول والثاني والثالث والأخير، وهي العامل الذي سيحسم الانتخابات اكثر بكثير مما كان ذلك عليه خلال الانتخابات السابقة بكل ما تحمله الكورونا من أعداد للموتى والمصابين بالمرض واعداد المتضررين والمنهارين اقتصادياً ونسبة المصوتين او غير المصوتين، وبالتالي سيكون لموتى الكورونا صوتهم وللمصابين بالكورونا قولهم ولمتضرري وضحايا الكورونا الاقتصادية رأيهم اما نتيجة الانتخابات فمنوطة بمدى " قوة وحدة كل من العوامل السابقة الذكر" في مواجهة " الرواية الرسمية " النتنياهوتية الليكودية " حول إنجازاته ونجاحاته في مواجهة الآفة، ومن هنا خيبة أمل نتنياهو ومريديه من الانخفاض البطيء لأعداد الحالات المرضية واستمرار " الفوضى " في المرافق الاقتصادية والتعليمية ما يمنع الحكومة ورئيسها من افتتاح احتفالي للمرافق الاقتصادية عشية الانتخابات يؤكد نجاحه في مواجهة الكورونا من جهة  وزيف ادعاءات مناوئيه من جهة أخرى والتأكيد لمن أراد الدليل ان ملاحقة الجهاز القضائي لنتنياهو ستعود بالضرر على الجميع او ان الجهاز القضائي جعل من نتنياهو الهدف الاول الذي يجب المس به حتى لو كانت النتيجة اسقاط حكومة اليمين وتنحية حامي حمى البلاد والعباد، واستمرار الكورونا وسقوط المزيد من الضحايا .

" أصوات موتى الكورونا "
الخلاصة حتى الان هي ان " تصويت الموتى" او أصوات موتى الكورونا وأنين ضحايا الاقتصاد الكوروني هي الامر الوحيد الذي قد يحرم نتنياهو من تشكيل الحكومة القادمة خاصة وانه  ذلل العقبة الاخلاقية القيمية، باتفاق فارق الأصوات مع اليمين المتطرف ممثلاً بسموتريتش وبن غفير بعد ان نجحت جهوده في " توحيد صفوفهم وشرعنتهم. خلافاً لمواقف الليكود القيمية ومواقف قادته ومنهم اسحق شمير ومناحيم بيغن اللذين اعتبرا حركة " كاخ"  او "كهانا حاي" من بعدها خارج نطاق القيم السياسية والإنسانية والأخلاقية والبرلمانية حتى ان اسحق شمير اعتاد مغادرة قاعة البرلمان اثناء كلمات مئير كهانا وامثاله، تماماً كما انه من المؤكد ان يعمل نتنياهو ومعاونوه على " تذليل عقبات المنافسين" عبر معلومات مشينة ومضللة عن المنافسين يتلقفها مؤيدو نتنياهو في الشارع والاعلام والشبكات الاجتماعية كما حدث في الانتخابات السابقة عبر معلومات كاذبة حول بيني غانتس المتحرش جنسياً قبل عشرات السنوات او زوجة نفتالي بينيت العلمانية التي لا تلتزم قواعد التسويغ الديني "כשרות" في حياتها او عملت في مطعم غير " كشير" ...وعلى جدعون ساعر ويئير لبيد  ان يتوقعا من ذلك التضليل والتشهير الكثير الكثير.

" تصريحات وتلميحات "
نتنياهو يدرك ذلك ومن هنا تجيء تصريحاته التي تتهم الجهاز القضائي هذا الأسبوع بعرقلة تقدم الخطوات التي تهدف الى إلزام المعلمين خاصة والمواطنين عامة بالحصول على التطعيم  رغم الجدل القضائي العتيق حول إمكانية الزام المواطنين بالتطعيم انطلاقاً من قانون كرامة الانسان وحريته الذي يمنع ذلك إلا اذا وفر المؤيدون للتطعيم الإلزامي معطيات تؤكد ان التطعيم هو الحل الأوحد والوحيد والحصري لمنع العدوى والمرض، او بفعل تعليمات الصحة العامة او صحة الجمهور التي تتيح ذلك، او عبر فرض عقوبات على الرافضين للتطعيم ومنعهم عبر قوانين صريحة من مزاولة حياتهم او عملهم او ارتياد المراكز التجارية والمرافق الثقافية والرياضية والفنية والجامعات والكليات وغيرها مقابل منح محفزات للمتطعمين، وهي التصريحات والتلميحات التي وصلت اوجها مطلع الأسبوع بصراخ منفلت لنتنياهو على مساعدي ونواب المستشار القضائي للحكومة بان عليهم عبر عمل مكتبي وموظفاتي متواصل ان يجدوا الحلول المناسبة وان يأتوه بالاقتراحات والإمكانيات المتوفرة ليختار هو الأفضل منها دون ان تكون لهم كلمة او رأي وحاشا وكلا اذا كان رأيهم مخالفاً لرايه ومناقضاً لمصالحه الشخصية اولاً والحزبية ثانياً، وهي تصريحات تندرج ضمن امرين الأول صرف النظر عن فشل الحكومة ورئيسها والقاء اللوم على الجهاز القضائي، وتحميله مسؤولية ازدياد وارتفاع اعداد الموتى لضرب نتنياهو فقط، وهو الجهاز الذي يلاحقه بتهم لا أساس لها ولا مبرر كما يردد ، والثاني محاولة تصويب النار نحو حزب ازرق ابيض  باعتباره يتاجر بأرواح الناس لتصب كل هذه العوامل نحو "هرب نتنياهو من هول محاكمته بالرشوة وخيانة الائتمان".

" إخفاء الكورونا الحقيقية "
نجاح نتنياهو في ما سبق سيمنحه التأييد الذي يريد ويجعل حصوله على 61 مؤيداً في البرلمان من الليكود والمتدينين واليمين ويمين اليمين وربما تأييد حزب عربي او اكثر، علناً او سراً، أمراً متاحاً، وسيمكنه من وقف محاكمته عبر قوانين تعددت اسماؤها بدءا بالفرنسي مروراً بالحصانة وانتهاءً بالقانون الالتفافي. هذا هو السباق اليوم وحتى موعد الانتخابات فنتنياهو يريد خلق حالة يمكن فيها القول " من مات مات بل فات " يعني بالعامية " الله يرحمه خلص عمره " وكأن الكورونا قضاء وقدر، وبالتالي إخفاء الكورونا الحقيقية بمصائبها وكوارثها الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والطائفية والصحية وآلاف موتاها، واستبدالها بكورونا لها في عالم نتنياهو والليكود واقعها البديل...كورونا إيجابية يجب ان تتم مكافأة نتنياهو عليها وعلى مواجهته إياها بشجاعة وامتياز ومنحه سلسلة أوسمة وجوائز أولها 61 مؤيدا في البرلمان وثانيها حكومة يمين "كاملة مئة بالمئة "كما يحلو لنتنياهو ان يقول وثالثها وختامها مسك هو الغاء المحاكمة ، انطلاقاً من ايمان نتنياهو ومعرفته التامة انه سيخسر السلطة وربما سيفقد حريته الشخصية وقد يكون مصيره السجن في حالة واحدة: إذا "صوّت الموتى" أي إذا أصر الأحياء على ان يكون تصويتهم نوعاً من الاحتجاج على أرواح أُزهقت بفعل شلل وظيفي حكومي،  وإذا أَسْمَعَ الأحياء صراخهم وانينهم الذي يضاف الى أنين وألم مئات آلاف المتضررين والفقراء الذين بقوا على قيد الحياة جسدياً لكنهم فقدوا مقومات وجودهم الاقتصادية والإنسانية.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
‎يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 bassam@panet.co.il.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق