اغلاق

من تراثنا - فرس الحج عبد - بقلم : المربي محمد صادق جبارة

كان الحصان على مر التاريخ رفيقا للإنسان خاصةً العربي في حله وترحاله وسلمه، فعلى ظهره يحارب اعداءه ويحمي دياره، يسرح على ظهره ويمرح ويقطع القفار،

   
المرحوم محمد الحج عبد برانسي " أبو هيثم " وهو على ظهر المهرة - الصور من المربي محمد صادق جبارة

وبه يحرث الارض ويسابق ويتسلى ويمتطيه في " الزفة ". 

" فرس الحاج عبد برانسي "
في مقالنا اليوم سوف نتحدث عن فرس المرحوم الحاج عبد برانسي من الطيبة أو من يعرفها بالمهرة. من منا في جيلنا لا يعرف فرس الحاج عبد في الزفة والسباق ؟
كانت هذه " المهرة " من الخيول الاصيلة، وما يميزها بأصالتها رأسها الصغير وعنقها الطويل المقوس وأرجلها القوية، ولها ذيل وعرف جميلين، وشعر حريري ناعم، سريعة الحركة، تقفز وتركض وتقطع مسافات كبيرة بدون تعب. هكذا وصفها لي صديقنا الحاج إبراهيم الحاج عبد برانسي من أبناء المرحوم الحج عبد برانسي.
الخيل الأصيلة هي خيل مع نسب محدد معترف به في سجل السلالات وسلالات الخيل هي مجموعة من الخيول ذات الخصائص المميزة التي تنتقل باستمرار إلى نسلها، مثل الشكل واللون أو قدرة الأداء.
وكان من البدو أوائل الأشخاص الذين مارسوا تربية الخيل الانتقائية في البيئة الصحراوية واشتهروا بحرصهم على المحافظة على نسب الحصان الأصيل، ومن هنا نسرد لكم كيف حصل المرحوم الحاج عبد على هذه المهرة الأصيلة.
 
" مكافأة من أحد وجهاء البدو "
المرحوم الحاج عبد برانسي كان من وجهاء البلدة، كان انسانا كريما محباً للناس، مساعداً للغير، وهو من أهل الإصلاح، وكان عطوفاً، وهذه ليست مجاملة إنما هي الحقيقة، ويشهد على ذلك كل من عرفة وعاشره من بلدتنا.
 يقول الحاج إبراهيم بأن المرحوم عبد برانسي تدخل بصلح بين عائلتين من عرب الجنوب (البدو) وشاءت الأقدار أن أحد وجهاء العائلتين المتخاصمتان جاء إلى بلدتنا زائراً للمرحوم الحاج عبد برانسي وأهداه هذه المهرة الأصيلة مكافأة وجزاء على ما قام به من صلح بين العائلتين.

وبدأ المرحوم الحاج عبد الاعتناء بالفرس واطعامها وكان يحث أولاده على الاعتناء بها. لقد حافظ المرحوم على المهرة وقرر ألا يبيعها ما دام على قيد الحياة، لكن بعد مماته أعطيت لإحدى بناته ومن ثم بيعت لأناس أخرين من الطيبة.
كانت المهرة سريعةٌ يمتطيها أبناء المرحوم للسباق وأنا شاهدت هذه المهرة في الخلة الشامية في الحارة الفوقا تركض بسرعة فائقة يمتطيها أحد أبناء المرحوم، وبقيت هذه المهرة الأصيلة في ذاكرتي، وكان لهذه المهرة دورا في الأَعراس  فعندما نتحدث عن العرس في الطيبة فاننا نتحدث عن الفرس.
كم من عريس في الطيبة قبل 50 سنة امتطى المهرة في الزفاف وزف في موكب حاشد يخترق أحياء القرية في الحمام إن كان عند أقاربه أو أصدقائه، يحمل في يده مظلة، أو أَحد الصبيان يركب خلفه يحملها لتقيه حرارة الشمس .
كانت المظلة مزخرفة بالمناديل الناعمة والورد، إذ يوكل لإبن عمه أو أخيه مسك لجام الفرس، ولا ننسى أن للفرس عدة مزخرفة خاصة للزفاف وكان يسير المحتفلون بعد ذلك بين الجموع، النساء بالخلف والرجال في الأمام ، والنساء ينشدن الأناشيد والزغاريد والرجال يغنون الأغاني الشعبية:

طلع الزين من الحمام          هد البلبل عالرمان
طلع الزين من الحمام           مزينة في رجالها
يا ربي تكبر مهرتي             وتكبر وأنا خيالها

والنساء يغنين:
عدّدوا المهرة وشدوا عليها                 تييجي العريس يركب عليها
عدّدوا المهرة وهاتوا البارودة             وزفوا لي العريس لبيت الجدود
عدّدوا المهرة وهاتوا الشبرية             وزفوا لي العريس لباب العلية
عدّدوا المهرة وهاتوا اللجام                وزفوا لي العريس لبيت الأعمام

وكانت المهرة تعبر عن طربها في الزفة أي العرس بخطوات حوافرها وبتمايل جسمها على نحو سماع إيقاع وطبول النساء الذي تسمعه بالزفة ولا ننسى أن المغني في الزفة ذكر المهرة بأغانيه حينما قال :
جفرا يا هالربع بين كروم التين
غابت علي الشمس يا مهرتي زيدي

وصفة الوفاء في هذا المهرة كانت رابطاً مع أبناء المرحوم وهذا معروف عن الفرس الأصيلة أنها تطوف حول فارسها بعناية إذا ما وقع عن ظهرها وهي شديدة الحزن على فقدان فارسها فيقول الحاج ابراهيم أنه عند موت المرحوم شعرنا بالمهرة أنها حزينة امتنعت عن الأكل والشرب ليومين وكانت تصهل ليلاً بكثرة لفقدانها المرحوم ويضيف الحاج إبراهيم بأن والدهم الحاج عبد كان لا يمنع المهرة من الأكل من مزارعه وبيادره (يعني زي ما بقولوا الختيارية (المسنون) أنه الخيل إلها ربع الدنيا).
فيا حبذا أن تعود تلك الأيام الحلوة الهنيئة بعيدين عن وباء الكورونا بعيدين عن العنف والخصام.




صور من زفاف عثمان محمد برانسي وهو يمتطي مهرة الحج عبد


المرحوم سليم خليل طويل بعد نزوله من على ظهر المهرة في " الزفة "


حفل  زفاف في الحارة الفوفا


المرحوم الحاج عبد برانسي


المربيّ محمّد صادق جبارة


الحاج ابراهيم الحج عبد برانسي


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من الطيبة والمنطقة اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
الطيبة والمنطقة
اغلاق