اغلاق

من أَعان ظالماً أُبْتُلِيَ به - بقلم : المحامي زكي كمال

ويأبى التاريخ، قريباً كان ام بعيداً، الا ان يقول كلمته وعادة ما يكون ذلك عبر احداث تتكرر وتتقاطع لتثبت امراً ما كان غائباً عنا أو حقيقة فضلنا عمداً تجاهلها

 
المحامي زكي كمال 

وتناسيناها مع سبق الإصرار والترصد، متجاهلين نتائجها المستقبلية ومعانيها الآنية والاستنتاجات الحتمية منها، لكن يظهر ان التاريخ قرر هذه المرة ان لا ينتظر بل انه قال كلمته سريعاً وعلى المدى القصير عبر تزامن لأحداث متفرقة في البلاد والعالم تبدو غير مرتبطة على الاطلاق، أولها بمعلومات موثوقة تشكل نتائج محاولات لفهم أسباب خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية الامريكية، ووفاة المذيع اليميني المتطرف سيء الصيت الأمريكي راش ليمبو، وثانيها انطلاق الحملة الانتخابية لايتمار بن غفير من حزب "عوتسماه يهوديت" وريث مئير كهانا وخلفه بل وتلميذه الذي زج بادولف هتلر واضع ومنفذ فكرة المحرقة في دعايته الانتخابية واستخدمه للمس بحزب يميني اقل" تزمتاً " منه هو حزب " البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بينيت، وثالثها حالة العنف المستشري في الوسط العربي والتي جوبهت باهمال شرطوي وصمت رسمي تخلله شعارات انتخابية ووعود تبخرت قبل ان يجف حبرها او ينتهي صداها.

" التصرف بفوقية وتعال "
أراد التاريخ قول كلمته فرسم خطوطاً متوازية وأوجه تطابق تامة وكاملة بين الصديقين الصدوقين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو عشية الانتخابات، فها هو الأول أي ترامب يعتمد الحركات المتطرفة عرقياً والحركات المسيحية الانجيلية عشية انتخابات الرئاسة عام 2016 ركيزة ومتكئا فتنقذه وتمنحه الفوز ليواصل ذلك عام 2020 لكن بين هذه الانتخابات وتلك تعاظمت قوة هذه الحركات وتزايد نفوذها حتى خالت نفسها، بموافقة صامتة وإنتهازية ضيقة من ترامب، الحاكمة الفعلية للولايات المتحدة ما دفعها للتصرف بفوقية وتعالٍ معتبرة الانجيل دستوراً لها دون القوانين المدنية، مانحة نفسها حق احتقار الآخرين كالملونين والنساء واللاجئين والمثليين وكافة المصوتين الديمقراطيين والتهديد بسجن قادتهم واتهامهم بأقذع التهم وأولها الخيانة والتخابر، وهو ما اتضح انه كان احد أسباب عزوف الملونين عن التصويت لترامب وعزوف النساء عن التصويت له خشية عودة الولايات المتحدة الى عهد يشبه عهد ما قبل انتهاء العبودية، وبالتالي كان اعتماد ترامب على الحركات المتزمتة عرقياً ودينياً سبباً في خسارته الانتخابات الرئاسية في أفضل تجسيد للقول الشهير " من أَعان ظالماً أُبْتُلِيَ به"، والأمر سيان بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واعتماده الأحزاب المتدينة المتزمتة حليفاً وداعماً لضمان استمرار حكمه واقتران ذلك بميزانيات غير محدودة وتشريعات تحاول جعل التوراة القانون السائد ورجال الدين الذين يقودون هذه الاحزاب مرجعاً لإتخاذ القرارات يتوسل نتنياهو اليه ويخطب وده متوسلاً " انصياع الحريديم للقوانين والتعليمات " وكأن القانون ليس لهم ولا يطبق عليهم في زمن الكورونا، لتتعالى الأصوات المنتقدة والمعارضة حتى من حزب نتنياهو نفسه ومن أحزاب كانت بالأمس القريب حليفة له ما جعل التحالف مع الحريديم سيفاً ذا حدين قد يدفع نتنياهو ثمنه غالياً بعد ان كان في السابق " ضربة وصفقة رابحة " قبل ان يحاول المتدينون المتزمتون إخضاع الدولة وصحة مواطنيها كلهم ضحية لأهوائهم ورفض انصياعهم للقوانين المدنية وقوانين الدنيا والتزامهم بقوانين الدين والحاخامين تماماً كما القول السابق.. من اَعان ظالماً ..

" حركة تكره كل مختلف "
ويواصل التاريخ قول كلمته فها هو نتنياهو، زعيم " الليكود الحديث " يشرعن ايتمار بن غفير الذي اعتبر قادة الليكود ومؤسسوه حركته " كاخ او كهانا حاي " حركة غير قانونية وغير شرعية وغادروا قاعة الكنيست احتجاجاً عندما القى ممثلها مئير كهنانا كلمته في الكنيست باعتباره " عنصريا مقيتا لا يمثل بأي شكل من الأشكال القيم الديمقراطية بل لا يمثل اليهودية " ليرد ايتمار بن غفير على هذه الشرعنة بما يكشف حقيقته وحقيقة حركته من انها حركة تكره كل مختلف، حتى لو كان متديناً يعتمر القبعة الدينية ويحترم قدسية السبت وكل ذلك لمجرد انه يرفض الرقص وفق معزوفاتها ويرفض خطاب الكراهية والتخوين، ليبتلي الليكود الذي اعتاد اتهام الغير بعدم احترام ذكرى ما خاصة اذا كان ذلك غير عربي مثل المرشحة السابعة في حزب العمل ابتسام مراعنة، وهو ما فعله ايتمار بن غفير الذي كان في أوائل تسعينات القرن الماضي واواسطها أحد المتطرفين الذين اعتادوا اتهام رئيس الوزراء حينها اسحق رابين بالخيانة وتسليم أراضي إسرائيل للأغيار  ما جعله يستحق الحكم عليه بالموت " דין מוסר " بل انه ذلك اليميني المتطرف الذي اعترض طريق سيارة رئيس الوزراء حينها اسحق رابين واقتلع شعارها وقال جملته المشهورة " اذا نجحنا بالوصول الى شعار سيارته واقتلاعه فلا بد اننا سنصل اليه " وهو ما تحقق في النهاية باغتيال رابين، وكأَن التاريخ أراد تأكيد امر ما فقد تزامن صعود نجم ايتمار بن غفير من أوائل التسعينات حتى نهايته مع صعود نجم مذيع أمريكي يميني متطرف يدعى " راش ليمبو" بث كراهيته وعنصريته مدعياً تفوق العرق الأبيض مع بث سموم الكراهية تجاه السود والنساء واللاجئين والمسلمين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث سخر علناً من الممثل مايكل جي فوكس بعد ان كشف الخبر اصابته بمر ض الباركنسون، وبث كراهيته للديمقراطيين واصفاً تشيلسي ابنة بيل كلينتون بأنها " كلب صغير يتراكض في أروقة البيت الأبيض " وكراهيته  للمثليين، حيث كرَّس في برنامجه الإذاعي زاوية خاصة إحتفل فيها بوفاة المثليين جراء إصابتهم بالإيدز وقرأ اسماءَهم وعلى خلفية ذلك اغنية "  I Know I'll Never Love This Way Again"، التي تعبر عن فرحه بموتهم وكان بذلك من رسم خطوط الاعلام المؤيد للعرق الأبيض الذي احتضنه ترامب واعانه ليبتلي به إذ اتضح انه كان عاملاً  ومحفزاً كافياً لإبعاد المصوتين عن ترامب، مع الإشارة هنا الى ان بنيامين نتنياهو ربما كان الزعيم السياسي الوحيد في العالم الذي نعى راش ليمبو واعتبره " صديقاً وقف الى جانب إسرائيل في السراء والضراء " ، مع ضرورة ملاحظة القواسم المشتركة بينه وبين بن غفير من حيث التوجهات العنصرية التي تكره الأغيار والمعارضين السياسيين وتبيح قتل المختلف وتعتبر المثليين نوعاً من البهائم وتدافع عن مرتكبي اعتداءات تدفيع الثمن ضد الفلسطينيين ،فهل سيبتلي نتنياهو ببن غفير؟

" من اعان ظالماً ... "
من اعان ظالماً ينطبق ايضاً على آفة العنف التي تضرب المجتمع العربي وتنخر عظامه، فهي ليست بالجديدة وإن كانت مكافحتها لحناً يعزفه اليوم الجميع وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، فقد صمتت السلطة عنها وغضت الشرطة الطرف عن مظاهر العنف، بل وامتهنت المحاكم اصدار الأحكام المخففة والحكم بالعمل لخدمة الجمهور على مطلقي النار ومن ألحقوا أفدح الأضرار بالممتلكات العامة والخاصة ومهددي منتخبي الجمهور، وأخطأت جميع هذه الاجهزة الظن حين اعتقدت أن آفة العنف ستبقى حصراً على المجتمع العربي وكأنها تقول " حايد عن ظهري بسيطة " لتستفيق على وقع انزلاق العنف الى رموز السلطة والسيادة من رؤساء سلطات محلية وقضاة وافراد شرطة تم احراق سياراتهم وإطلاق النار عليهم في الطيرة ودير الأسد وطمرة وكفر قرع وغيرها، ومحطات شرطة تم اطلاق النار عليها ومؤسسات رسمية مصرفية وجماهيرية كالبنوك ليس في البلدات العربية " ليس فخار يكسِّر بعضه " فحسب بل في كرميئيل أكبر المدن اليهودية في منطقة الشاغور ومسغاف ، كما استفاقت السلطات على وصول العنف الذي نرفضه جميعاً الى منازل ومزارع ومصانع المواطنين اليهود داخل مجمعاتهم السكنية لتبدأ الاستنكارات والتحركات ... مرة أخرى اعانوا ظالماً فإبتلوا به، بما في ذلك بعض المسؤولين في المجتمع العربي الذين غضوا الطرف عن العنف ومنفذيه طالما كان الأمر بعيداً عنهم ليصلهم وهو في حالة لا حول لهم ولا قوة تجاهه..

" هكذا هو حال التاريخ "
وبما ان ظلم ذوي القربى أشد مضاضة واعانتهم أخطر وأقسى، فلا بد لنا ان نمعن النظر في تصرفات واعمال الاعلام والصحافة بالعبرية التي نصبت لأهدافها ودوافعها مجموعات من " الخبراء للشؤون العربية والمحللين والمعلقين " من أكاديميين وآخرين وحولتهم بين ليلة وضحاياها " لغاية في نفس يعقوب وجماعته " الى صناع للقرار وصياغ للرأي العام، لتنساق وراء ذلك بعض وسائل الاعلام العربية او الناطقة بالعربية ومن منطلقات نعرفها جيداً ويعرفون هم في وسائل الاعلام المذكورة اننا نعرفها حق المعرفة، " فاعانت الظالم " ولم تكلف نفسها عناء السؤال والاستفسار بل اعتبرت " اختيارات الصحافة العبرية أمراً منزلاً " وسوَّقت هؤلاء دون ان تدرك ان هموم ومصالح وقضايا وآلام المواطن العربي ليست همهم الأساسي بل الشهرة والمناصب والكراسي وهم أولئك الذين أرادوا قبل عام وربما اكثر ثقة الجماهير العربية لدخول البرلمان بقوائم عربية صافية وجديدة بعد ان خابت مساعيهم بمكان في القوائم والأحزاب العربية الموجودة اليوم سواء كانت متحدة ام منفردة،  باعتباره ساحة النضال لتحصيل الحقوق واجتراح الإنجازات وها هم اليوم " لغاية في نفس يعقوب وجماعته " لا يتركون ميكروفوناً او استوديو إلا واستخدموه ولا يتركون منصة إلا اعتلوه منادين " بضرورة الاندماج في الدولة والتأثير المباشر داخل الأحزاب مع التأكيد على ان الاحزاب العربية القائمة لا تجدي نفعاً" ..مرة أخرى اعان بعضنا الظالمين ورفعوا من مناصبهم بغير حق ومن باب الثقة "ان شرَّهم لن يصيبنا " فإبتلوا بهم.
هكذا هو حال التاريخ يعذر قبل ان ينذر ويقول لمن يعين ظالماً انه لا بد سيبتلي به، وخسارة ترامب الانتخابات بعد دعمه من الانجيليين ومناصري الفوقية العرقية وصمته على التدخل الروسي ومشاعر الكراهية والعنصرية التي بثها هي الدليل والشعار المكتوب على الجدار بالبنط العريض لكن التاريخ لا يملك الا التحذير فهل سيتعلم  السياسيون مثل نتنياهو وامثاله وغيرهم الدرس والعبرة خاصة أنه من طبعهم الاعتقاد انهم " أصدق وأذكى أهل الأرض " مؤكدين ان مداعبتهم السنة اللهب ونار الكراهية والتطرف والتمييز تتم عبر حدود واضحة يعرفونها مسبقاً لتجيء النتيجة، كما اثبتت التجارب عبر التاريخ، مناقضة ومختلفة، فاعانة العنف الظالم في المجتمع العربي " الساحة الخلفية في البلاد " أوصلته الى المدخل الرئيسي للوسط اليهودي  واعانة الظالمين من بيننا من وسائل اعلام ولأهداف نعرفها، عادت علينا بالبلاء والويل والثبور وبمطالبات بعدم التصويت للأحزاب العربية تتساوق مع رغبات الليكود واليمين في خفض التمثيل العربي في الكنيست ..لأهداف في نفس يعقوب  ...
باختصار " لا تعينوا الظالم فتبتلون به"...ولكم في ما سبق درس وعبرة .

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
‎يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 bassam@panet.co.il.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق