اغلاق

حين يمرض الفقراء حقاً فيتباكى الأغنياء زيفاً

بينما يبلغ فيروس الكورونا من العمر عامه الأول ووسط اختلاط الحديث عن انه سيرافقنا طيلة أعوام قادمة مع ضده أي الحديث في الدول الغنية والمتقدمة خاصة عن ان


المحامي زكي كمال

التطعيمات والأمصال الواقية تعني وجود الضوء في نهاية النفق، ومع اقتصار الاهتمام الإعلامي والرسمي في هذه الدول وبضمنها اسرائيل على الجوانب الصحية والاقتصادية وابعادها واستخداماتها السياسية، غابت عن الأذهان حقائق كثيرة هامة بل مصيرية علينا النظر اليها بعين ثاقبة عملاً بالقول:" علمت شيئاً وغابت عنك أشياء"، وبما ان الحياة بمنعطفاتها وتطوراتها لا تترك مكاناً للقيم المطلقة وللتفسيرات الحصرية بل انها تسير وفق مبدا الشيء بالشيء يذكر، فإن الحديث في سياق الكورونا عن صحة الاغنياء يجب ان يقابله حديث متوازٍ عن مرض الفقراء كما أن كرم الأغنياء يجب ان يذكر بموازاة حاجة الفقراء والا فلا قيمة له.
لا اريد التقليل من أهمية الأمصال الواقية ونجاعتها، رغم الاعلان الخطير والمخيف ربما لمدير عام شركة "فايزر" ان إسرائيل وهي الدولة التي حصلت على أكبر عدد من اللقاحات قياساً بعدد سكانها، تعتبر " ساحة التجارب للقاح الذي طورته الشركة "، ولست من أولئك الذين يمتهنون " تنغيص الفرحة " لكن قضية اللقاحات كغيرها وبحكم كوني رجل قانون ومحامٍ عليه بغية تحقيق النجاح والنتائج الإيجابية في كل قضية يعالجها النظر بمنتهى الجدية الى " الرواية المعاكسة " تجعل لزاماً علي النظر الى الجانب الاخر من " رواية الكورونا واللقاحات " وخاصة ابرز فصولها وهو " تغلب الدول الغنية على الكورونا " ، فالحديث عن الغنى يجر إلى الحديث عن الفقر والحديث عن اغتباط الدول الغنية بقرب انقشاع الكورونا حتى نهاية العام 2021 يجر الى الحديث عن نفس الكورونا التي ستبقى جاثمة على صدور مواطني الدول الفقيرة والضعيفة حتى نهاية العام 2024 في احسن الحالات، خاصة ان الدول الفقيرة وهذا ما غاب ويغيب عن أذهان الكثيرين، ليست الفقيرة مادياً فقط بل تلك التي يعاني مواطنوها الحرمان الشديد من الحياة الرضية، والحرمان المادي من دخل وصحة وتعليم، والمعاناة من التعرُّض للمخاطر، كالمرض، وقلَّة الدخل، والانتِزاع من المدرسة، وهي لذلك تشمل عملياً معظم الدول العربية ( 44% من مواطنيها يعانون الفقر) وحتى تلك الثرية  منها إضافة الى كل الدول الأفريقية (54% من مواطنيها فقراء) وتلك الدول التي يتم تصنيفها ضمن العالم الثالث والتي تجد نفسها اليوم في حالة اعتادت عليها من حيث كونها الأولى للتضرر من الامراض والأخيرة للخروج منها.

" تناسي الواقع وتجاهله "

وإذا كانت الدول الفقيرة لا تنسى كونها كذلك ولا تعمل حكوماتها وربما شعوبها ايضاً ما فيه الكفاية لتغيير وضعها المذكور، فإن الدول الغنية تتناسى الواقع وتتجاهله ولا تعمل شيئاً لتغييره رغم الحديث المتكرر عن  حالات مفاجئة من " كرم الأغنياء " الذي انعكس في كرم حاتمي من إسرائيل،  بتوزيع عشرات آلاف الأمصال الواقية " على عدد من الدول الصديقة الفقيرة منها هندوراس وغواتيمالا واوغندا والنيجر وكينيا واثيوبيا، ليتضح لاحقاً انه كرم جاء بقرار شخصي من رئيس الوزراء دون استشارة او تنسيق  وكأَن الديمقراطية الإسرائيلية تحولت الى " سلطة الرجل الواحد " ما انتهى الى منع إخراج هذا الكرم المفاجئ الى حيز الوجود، وعن كرم حاتمي صيني تمثل بتوزيع اللقاحات على عدد من الدول الأفريقية التي تسيطر عليها بكين اقتصادياً في خطوة موازية لخطوة إسرائيل قوامها تحويل الكورونا الى آفة تستغل سياسياً وتحويل اللقاحات الى سلعة يتاجر البعض بها لتحقيق مكاسب سياسية شخصية خاصة وفردية تصب في مصلحة نتنياهو في الحالة الإسرائيلية وعشية الانتخابات البرلمانية او عامة تصب في مصلحة تعزيز الصين  سيطرتها الاقتصادية عبر التبرع باللقاحات في ما يمكن وصفه بأنه" استعمار صحي وطبي" يضاف الى خطوات أخرى تستبدل الاستعمار العسكري لكنها تؤدي الى نفس نتائجه.
" القومجية الصحية "

انغمست الدول الغنية حتى النخاع في حماية ذاتها وسكانها وتطعيمهم ضد الكورونا، ونسيت ان العالم أصبح قرية صغيرة وان انقشاع ازمة الكورونا عنها أي عن الدول الغنية، انما سيعني دون شك خطوات للعودة الى الحياة الطبيعية بما فيها إعادة فتح الحدود والأجواء والسماح بالتنقل الحر قدر الإمكان بين الدول ما يعني ان المتنقلين بين الدول الفقيرة التي ما زال المرض فيها مستفحلاً سينقلون العدوى الى الدول التي ظنت انها خارج نطاق الخطر بفضل اللقاحات وعندها سيتضح للعالم عامة والدول الغنية خاصة ان " القومجية الصحية " او مبدا " أَولى بك فأَولى " لا يفيد في هذه الحالة بخلاف ما كان عليه الامر في حالات آفة الايبولا او الملاريا او البوليو المنتشرة بشكل شبه حصري في افريقيا ودول العالم الثالث ، فالفقراء في العالم يقفون اليوم عاجزين  لا حول لهم ولا قوة ودون خيار يذكر حتى لو أرادوا أن يتطعموا فعلاً ، فدولهم وقياداتها وبعضها غنية بالمناجم والنفط والذهب غير قادرة بل غير معنية ربما بتوفير العلاج لهم وضمان رفاهيتهم بل انها تنتهج سلم أولويات اعوج وظالم يفضل بناء ترسانة الأسلحة على بناء الانسان الصالح والسليم جسدياً والمثقف اكاديمياً فترسانة الأسلحة ضمان لبقائهم في السلطة بينما ثقافة ورفاهية شعوبهم قد تكون سبباً لنهاية غطرستهم ودكتاتوريتهم، ما سيعني بقاءهم دون تطعيمات حتى لو كانت أوضاع دولهم الاقتصادية تسمح بذلك، وهو الحال في الدول العربية الثرية التي لم تكد تحرك سكناً لتوفير اللقاحات لمواطنيها نفسها فكم بالحري لسكان " الدول الشقيقة والصديقة " من جامعة الدول العربية او منظمة الدول الإسلامية كاليمن والعراق وسوريا التي مَنَّت روسيا عليها بآلاف اللقاحات بتمويل إسرائيلي وضمن صفقة لإطلاق سراح فتاة إسرائيلية دخلت الأراضي السورية بمحض ارادتها فتدخل فلاديمير بوتين " الوصي على نظام بشار الأسد " لإعادتها وقبض ثمن ذلك، وفضلت على ذلك صفقات أسلحة جديدة لا طائل منها إلا ملء جيوب مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة والعالم، بينما تكرمت بعض الدول ومنها الامارات العربية المتحدة بشراء لقاحات لمصر مثلاً في حالة نادرة صحياً تعكس حلفاً سياسياً بدأ منذ حصار قطر وما زال مستمراً.
" كشف زيف الشعارات "

سخرية الأقدار ان الكورونا، وعلى هذا تستحق ربما الذكروالإشادة، ازالت الأقنعة عن الوجوه وكشفت زيف الشعارات المتكررة حول التعاضد الدولي والتكاتف العربي والتضامن الشرق اوسطي وأكدت لكل من ساورته الشكوك " انه وقت الامتحان يكرم المرء او يهان" وان الدول انما تقاس بمواقفها وأفعالها وليس بأقوالها وكذلك المنظمات الدولية فها هي منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة على حد سواء تقفان موقف المتفرج والمتحدث او الناطق بلسان دون القدرة على ضمان ما جاءتا من اجله وهو العدل الصحي وضمان السلم ومنع الكوارث والآفات، ودون ان تنجحا في ضمان مساهمة الدول الغنية في توفير اللقاح للدول الفقيرة إن لم يكن انطلاقاً من مبدا التعاون الدولي فمن مبدا المصلحة الشخصية للدول الغنية  وملخصها القضاء على المرض او محاولة القضاء عليه لمنع انتقال العدوى بين الدول والشعوب، وهنا كان من الحري بالدول الغنية التي تنعم باقتصاد راسخ ومستقر وينعم مواطنوها بالرفاهية والتأمين الصحي ومنت دولهم عليهم بجهاز صحي جيد، ان تقدم اللقاح لمن يحتاج ،إن لم يكن  ذلك حباً في مصلحة الغيرفليكن خوفاً من مرض الغير او حتى رغبة في السيطرة وترسيخ النفوذ، فالفيروس لا يعرف الحدود والكورونا التي تضرب الفقراء في افريقيا والعالم الثالث اليوم ستصل منازل الأغنياء في باريس وبروكسل وواشنطن ولندن وغيرها غداً  وفي ذلك عبرة لأُلي الألباب.

" زمن جديد تبدلت فيه القيم "

" المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء "هذا ما قاله الإمام علي بن ابي طالب، لكننا في زمن جديد تبدلت فيه القيم خاصة في أيام الكورونا فالمال كشف رذيلة الأغنياء من الدول والشعوب ولم يسترها ،اما الفقر فإنه يقضي على كافة الفضائل ويمنع التعليم والاستقرار والصحة والرفاهية والحياة الكريمة ، اما أسوأ أنواع الغنى والثراء فإنه ثراء يصاحبه الأنانية وقُصْر النظر  فهو كشجرة مثمرة باسقة تأبى ان يطال ظلها الناس فيجوز اجتثاثها وقطعها وعلى وزن القول المشهور لأحد الحكماء "ان أكثر الموسيقى تحريماً هو صوت الملاعق في صحون الأغنياء البخلاء حين ترن في آذان الفقراء" أؤكد ان أكثر الخطوات ظلماً وخطورة  هو أن لا تكتفي الدول الغنية بان تستولي على ثروات الفقراء امام ناظريهم وان تحرمهم من الاستفادة منها بل ان تصل  حد استخدام عائدات هذه الثروات التابعة للفقراء لشراء اللقاحات لمواطنيها الأغنياء بنقود " يرن صوتها في آذان الفقراء" فلا بد للفقر والفاقة الا أن تنفجر غضباً في وجه مسببي الفقر ولا بد لمرض الفقراء الا ان يصل في عالمنا هذه مواقع ومدن ودول الأغنياء ولعل في قول بيل غيتس ان  الحل الجذري يكمن في تطعيم معظم سكان الأرض وحتى ذلك الحين، لن تعود الحياة إلى طبيعتها، حتى لو رفعت الحكومات الحظر والإجراءات الاحترازية، وأعادت الشركات فتح أبوابها ملخص القول الفصل  ومع ذلك أُضيف اليه:" وحتى لو منحت الدول الغنية التطعيم لكافة مواطنيها دون استثناء" فهل سيكون استمرار الكورونا في الدول الفقيرة وربما تكرار انتشارها الى الدول الغنية بمثابة ثورة ( صحية وطبية) للفقراء على ظُلْم الأغنياء، وهل سيكون مرض الفقراء، ولو بعد حين، نقمة على الأغنياء  ؟


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق