اغلاق

الانتخابات بين المقاطعة والمطاوعة، بقلم: فؤاد أبو سرية

أخي العزيز، أكتب لك قبل أيام معدودات للانتخابات البرلمانية القريبة التي تدور رحاها يوم الثلاثاء الوشيك، وها أنا ذا أُطل من نافذة سيارتي المُنطلقة


 فؤاد أبو سرية

 في شوارع بلداتنا العربية الحبيبة فأرى الإخوة النشطاء في الأحزاب العربية المُختلفة وأصدقاءهم يجوبون الشوارع يتقدمهم المرشحون لخوض هذه الانتخابات متجولين فيها وملقين التحيات والاحترامات إلى إخوانهم المواطنين العرب مذكّرين إياهم بأهمية خروجهم في يوم الانتخابات المُقبل بسرعة البرق والإدلاء بأصواتهم الغالية دعمًا للأبناء والأحفاد أولًا، ودعمًا لهم لتحمل المسؤولية ثانيًا، فهم كما لا يغيب عنك يعتبرون عضوية البرلمان تكليفًا وليس تشريفًا، رغم أنني أعرف أن هناك من يشكك في هذا، وهنا أُود أن أقول لك أن هذا ليس مُهمًا، وأن الأهم هو أن يكون لنا صوتنا الخاص بنا في هذه الانتخابات الرابعة على التتالي في الفترة الأخيرة الماضية.
أخي المواطن
إن هؤلاء المذكورين هم من أهلك وأهلي وقد أخذوا على عاتقهم تحمّل المسؤولية وعدم الوقوف في الحياد عملًا بالقول الشريف "لا حيدة في جهنم"، فماذا تقول أنت؟، أعرف يا أخي أن هناك شكوكًا تراودك وتراود الكثيرين من أبناء شعبنا في هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه، فهناك من يعتقد أن عضوية البرلمان لم تأتِ خلال العقود السبعة والنيّف الماضية بالكثير من النتائج، ناهيك عن أنها قزّمت النضال العربي في الشارع، إلا أنني أُود أن أُوجّه إليك سؤالًا بلاغيًا لا أُريد إجابة عليه لأنه يحتوي إجابته في ثناياه، ألا توافق معي أن موقف المتفرّج لا يليق بنا نحن العرب الفلسطينيين في هذه البلاد؟، ثم ألا تعتقد معي أننا ينبغي أن نستفيد من تجارب غيرنا من الأقليات المُختلفة في العالم؟، هذه الأقليات التي خاضت غمار المعارك الانتخابية في بلادها وشرت وباعت كما قال شاعرنا الفارس الأسود العظيم عنترة ابن شداد العبسي (حصاني كان دلال المنايا فخاض غمارها وشرى وباعا).

"  لا تقل يا أخي أننا لم نرى نتيجة للنضال البرلماني وإننا سمعنا جعجعةً ولم نرى طحينًا "
تأكد يا أخي العزيز أنني لا أنطلق من شعارات عفا عليها الزمن، ولا أكتب من مُنطلق المصلحة الشخصية الضيقة، تأكد أنني إنما أكتب من مُنطلق تحمّل المسؤولية كمواطن مُتابع للحركة السياسية في بلاده ويهمه أن تكون منطلقاته الخاصة والعامة أيضًا من منصة توعوية تهدف إلى إثارة القضايا المُلحة الحارقة وترمي إلى طرح الأسئلة النارية المُلتهبة أكثر من رفع الشعارات الجوفاء، وهنا أُود أن أُتابع نقاشي الهام معك وبالتالي طرحي الأسئلة الضرورية في هذه الأيام العصيبة.
هُب يا أخي، إذا لم نتوجه يوم الثلاثاء القريب إلى صناديق الاقتراع فماذا ستكون النتيجة؟، هل ستتغير السياسة العامة تجاهنا؟، هل ستتوقف معاناتنا اليومية كمواطنين عرب يعيشون في بلادهم.. وفي أرض الآباء والأجداد؟، ومن سيكون الرابح؟، ألا توافق معي على أن الانسحاب من ساحة الوغى يترك للخصم والغريم المساحة لأن يصول ويجول دون أن يجد من يرده، عملًا بالقول المأثور" قلّه يا فرعون مين فرعنك؟، قلّة من قلة حدا يردني".
لا تقل يا أخي أننا لم نرى نتيجة للنضال البرلماني وإننا سمعنا جعجعةً ولم نرى طحينًا، لا تقل مثل هكذا كلام لا قدمان له، ولا تنضم إلى أولئك الإخوة المتسرّعين الذين يريدون أن يقطفوا الخوخ ليل نهار، عِلمًا أن موسم قطاف هذه الثمرة الذكية يحتاج إلى الوقت والمؤثرات الجوية المُلائمة كي ينضج وكي تدور فيه مياه الحياة وطلاوتها. 

"  ما يهمني هو أن نسلك الطريق الصعبة.. طريق الحق الموحش "
إن العمل أي عمل جدّي سواء كان اجتماعيًا أو فكريًا يحتاج إلى الوقت المثابر والجهد المتواصل كي تعلو أشجارُه وتبسق وكي تكتمل ثمارُه وتنضج، وأُود الآن وهنا أن أُذكرك بأن نضالنا البرلماني العربي التقدّمي كان واحدًا من أبرز العوامل التي مكنتّنا من البقاء والصمود في بلادنا ورفعت صوتنا عاليًا من أجل العيش بحرية وكرامة، أما المُقاطعة بتاريخها المعهود فلم تعد علينا إلا بالابتعاد عن طرح قضايانا من على المنصة الأولى في البلاد وأدت بالتالي إلى إخراج بعض قوانا السياسية من دائرة التأثير بقذفها الى غياهب السجون تارة وإخراجها عن دائرة القانون تارة أُخرى، مع احترامي لِكُل فِكر مُختلف عملًا بالمقولة الفولتيرية الخالدة "قد أختلف معك في الرأي لكنني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمنًا لحريتك في أن تقول رأيك".
لنفق يا أخي، لِنُحكّم لُغة العقل التي عقب عليها حكيمنا الخالد شاعر المعرة أبو العلاء قائلًا أنه "لا إمام سوى العقل"، لِنُحكّم هذه القوة الهائلة التي سيّرت أصحابَها دائمًا باتجاه شاطئ الأمن وأرستهم في مياهه العذبة ليقطفوا ثمرات حكمة المنطق والعقل وروعات عمق الأحاسيس، إياك أن تظن يا اخي أنني أدعو هنا إلى تقبّل الواقع باسم الواقعية كما خُيّل إلى الكثيرين من قبلك، إياك أن تظن هذا، فأنا أبعد ما أكون عن هكذا منطق، وكل ما يهمني هو أن نسلك الطريق الصعبة.. طريق الحق الموحش كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه (لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه).
أرجو يا أخي الذي لم تلده أُمي، يا صديقي وابن وطني، أن تصلك رسالتي هذه بأقصى ما يُمكن من سرعة وأن تقرأها بتمعن وأن تفاجئني يوم الثلاثاء القريب بالوفود إلى صندوق الاقتراع ليأخذ كل منا بيد الأخر ولندخل معًا لندلي بصوتنا العربي العقلاني الأصيل الذي بات له وزنه الثقيل، وزن بيضة القبان باعتراف البعيد قبل القريب.


(Photo by HAZEM BADER/AFP via Getty Images) - للتوضيح فقط

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق