اغلاق

لغز خالي - قصة: ناجي ظاهر

عندما استقر بنا المقام في حارة النبعة، كان خالي قد بلغ الخامسة عشرة من عمره، وكنا مثلنا، مثل اي عائلة مُهجّرة، لجأت من قريتها الى مدينة الناصرة،

 
الصورة للتوضيح فقط - تصوير simpson33 iStock

 نفكر طوال الوقت في طريقة نرتزق منها، وتقينا شر السؤال والحاجة الى الناس، وكان خالي كثيرا ما يغيب عن البيت، فترجوه امي ان ينتبه لنفسه، فنحن اناس غرباء في المدينة، وعلينا ان نكون حذرين ومتنبهين لكل ما يدور حولنا كي لا نتبهدل اكثر، فكان خالي يهز رأسه ويبتسم، الأمر الذي جعلني انا الطفل الصغير، ابن السابعة في حينها اتساءل عما يدفعه الى هز رأسه و.. الابتسام.

زاد في غموض خالي في عيني، انه لم يكن يتحدث عن نفسه، كأنما هو يخفي امرا ولا يريد ان يطلع احدا عليه. وضع خالي هذا وضعني في حالة من حب الاستطلاع فُطرت عليه، وكان لا بد من ان اعرف عمقه ومعناه.
في احد ايام الشتاء الباردة لف خالي نفسه بكبّوت اسود قديم  كان ابي قد احضره له من سوق الرابش في حيفا، وتوقف عند باب دارنا، متأملا متفكرا، وما لبث ان اندفع منطلقا في الزقاق المفضي الى منطقة الكراجات، مركز البلد، انطلقت وراء خالي دون ان يراني، وحرصت على الا يغيب عن عيني، اما هو فانه لم يرسل اية نظرة الى الوراء، كان كل عقله مركزا في امر واحد ما لبثت ان رأيته بأم عيني، دخل خالي الى دكان بيع الجرائد وخرج منه يحمل رزمة منها، ورايته ينطلق في الشوارع عارضا ما بيده على المارة واحدا تلو الآخر، دون ان يستثني منهم احدا، فكان معظمهم يُعرضون عنه، في حين كانت قلة منهم تُقبل عليه فيقدم الجريدة بيد ويتناول مقابلها باليد الاخرى. اثار استغرابي ان خالي لم يكن ييأس، بل انني شعرت أن إعراض بعض الناس عنه، كان يزيده اصرارا اكثر على بيع الجرائد، بعد حوالي الساعتين من التجول في الشوارع الباردة.. رفض الكثيرين للجرائد المعروضة عليهم وتقبل القليلين، فوجئت بأمر آخر من خالي.

كان ذلك عندما بدا انه باع كل ما بيده من الجرايد، وتأكد من انه لن يبيع اكثر، فرأيته يركض باتجاه محل بيع الجرايد، يدخل اليه ويخرج منه فارغ اليدين هذه المرة، ويضع يده في جيبه الصغيرة ويربّت عليها، ناظرا الى الامام بإصرار وتصميم.
تابعت خالي وهو ينطلق في الشارع الرئيسي، باتجاه الحي الشرقي، وحرصت مرة اخرى على الا يراني.
اختفى لحظة عن عيني، ففكرت بان اعود الى بيتنا، وما ان ادرت ظهري في الاتجاه المعاكس، حتى رأيت خالي يطل من بعيد، وعلى راسه فرش مغطى بكيس خيش.. تبين لي عندما توقف به بالقرب من اول بسطة فلافل، انه مليء بالأرغفة الشهية الطازجة، عدّ صاحب البسطة الخبز، ونفح خالي مبلغا من النقود، وضعه خالي في جيبه، وربّت عليه وهو يرسل الى العالم المحيط به ابتسامة ساخرة لا تخلو من مكر، ومضى عائدا من حيث اتى، تابعته هذه المرة بدقة اكبر، لأراه يدخل الى فرن هناك في اعماق الحارة الشرقية، وليخرج مرة اخرى، حاملا فرشا آخر يشبه ذاك الاول. مضت ساعتان وخالي يتنقل من بسطة فلافل الى اخرى، ويبتعد عنها وهو يربت على جيبه الصغيرة، لأفاجأ به، يتوجه الى حارة العين، هناك دخل الى بيت وخرج منه وهو يبتسم، ويحمل بيده معزقا ومجرفة، توجه الى حاكورة البيت، وهو يتلفت حوله، وعندما رأى انه لا احد هناك الا هو، دنا من شجرة البرتقال وقطف منها حبة، قام بتقشيرها بسرعة هائلة وراح يلتهم حزوزها بتشهٍ وتلذذ، تسبب في اسالة  لعابي من فمي. ما ان اتى خالي على الحز الاخير في حبة البرتقال في يده، حتى رأيته يقذف بما جمعه في يده من بذورها في الهواء كأنما هو يرجو الارض ان تنبته شجرا ينمو ويكبر ويطرح المزيد من الثمار والبركات.

مضى حوالي الثلاث ساعات، وانا ارى خالي الشاب الصغير، يعمل بإصرار ومثابرة، وكنت انظر اليه يتوقف لحظة، ليستمر في اللحظة التالية بإصرار اكبر، حتى تمكن من تنظيف مساحة كبيرة من حاكورة البيت. توقف خالي مثل ملك حقق نصرا كبيرا على اعدائه، ارسل ابتسامة ساخرة كأنما هو يتوعّد بها المستقبل، في تلك اللحظة تقدم منه رجل مسن، وناوله شيئا لم أتبينه، وان عرفت انه مقابل عمله اليومي من النقود، فقد وضعه خالي في جيبه الصغيرة، وربت عليها بحنو ورضا.
ابتعد خالي عن ذلك البيت وتلك الحاكورة، منطلقا في الشارع الرئيسي، ومتوجها الى حارة النبعة، في سوق البلدة العامر حينها، وفجأة حصل ما لم احسب له اي حساب، التفت خالي باتجاهي مفاجئا اياي، وركض باتجاهي، ليمسك باذني:
-شو بدك مني .. صار لك من الصبح وراي.. سألني وهو يتميز غضبا.
-بديش اشي خالي. اجبته بتذلل.
-بدكاش مني اشي.. والا امك بعثتك تتجسس علي.. على كل حال هاي انت عرفت كل اشي عني.. روح قلها.. انا مش رايح ادفع للبيت اكثر من المطلوب مني. قال بإصرار.
-طيب خالي طيب. واقسمت له ان احدا لم يطلب مني ان اراقبه، وان كل ما فعلته انما فعلته بمبادرة مني. عندها ارسل خالي نظرة شك نحوي وقال:
- بدك تقنعني انك انت اللي بعدك مطلعتش من قشرة البيضة راقبتني طول النهار بدون ما انه حدا يطلب منك؟
عندها عدت اقسم واردد القسم تلو القسم، حتى شعرت انه لان لي.. وسألني بعد صمت مُريب:
-لعاد قلّي.. ليش راقبتني طول النهار..
عاد يسالني.. فرددت عليه:
-قلّي انت بالأول ليش تتعب حالك كل هذا التعب؟
ما ان فرغت من توجيه هذا السؤال له، حتى مدّ خالي يده الى اذني وشلعها هذه المرة بنوع من الرضا والتحبب، وهو يقول:
-بدي بكرة لما نرجع على قريتنا سيرين، افتح دكانة لبيع الجرايد او افتح فرن.. واشتري بيت بحده حاكورة مليانه بأشجار البرتقال. فهمت ليش؟
دبّت كلمات خالي هذه في نفسي دفقة من الثقة بالنفس، وتصورت نفسي مالكا لحانوت وبيت وحاكورة، فسألت خالي عما اذا كان بإمكاني بيع الجرايد وتوزيع الخبز وتنظيف الحواكير مثله، فأجابني والابتسامة لا تفارق وجهه:
-اكيد يا ابن اختي.. اكيد.. صحيح بعدك فلعوص صغير.. بس اليوم اثبتت الي انك اكبر من عمرك بكثير.
عندما استقبلتنا الوالدة في البيت، خرجت موجة من القلق من عينيها وحلقت في الفضاء، ضمتني الى صدرها بحنو وهي تسالني اين كنت. غير انني فضلت الصمت.. وواصلت التفكير بالسير على خطى خالي.. وما زلت...


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق