اغلاق

مبروكة - بقلم: أحمد الصح (أبو شادي)

استلقى في ظل الدالية واخذ يتأمل قطوفها المتدلية كالمسابح وحباتها تتلألأ كالبلور. سحب نفسا من لفافته وأطلق زفيرا كأنه يريد أن يقذف كل الهموم التي تراكمت في


الكاتب أحمد الصح

صدره. فهذه هي عادته منذ وفاة زوجته سلمى يعود من عمله يخلع ملابسه يستحم يرمي في جوفه ما تيسر من الطعام ليسكت عواء أحشائه يحمل علبة السجائر والجريدة ويخرج الى الحاكورة ويجلس في ظل شجرة العنب دون غيرها رغم أن الحاكورة مترامية الأطراف وموجود فيها كل ما تشتهي العين والروح وسر حبه لهذه الدالية يعود لسنين طويلة فهذه الشجرة هي الوحيدة التي بقيت شاهدا على حبه القديم وكل هذه السنوات التي مرت بحلوها ومرها لم تقدر على محو هذا الحب من قلبه فكلما حاول النسيان كانت الدالية ماثله أمامه تقول له أنا هنا أنا الشاهد على حبك وقصة حبه الأول والأخير بدأت قبل سنوات عديدة . عندما أجبرته ظروف والديه على ترك مقاعد الدراسة والتوجه الى سوق العمل وأي صاحب عمل يقبل هذا الفتى صاحب العود الطري  أعياه التعب وهو يبحث عن عمل حتى وجده في مكان بعيد عن قريته . عمل في إحدى المزارع عند رجل ثري يدعى ثابت بيك ولم يمض وقت قليل حتى أصبح دولاب المزرعة برمتها ساعده في ذلك رشاقته وجده في العمل مما جعل قلوب عائلة ثابت بيك تفتح له على مصراعيها وجد متعة في العمل والعمل غير شاق ولكنه يحتاج الى ذهن مفتوح وسرعة حركه كانت مهمته رعاية بساتين التفاح وكروم العنب بالإضافة الى رعاية الجياد.
مضى وقت طويل على تركه لأهله وبلده دون أن يسمع ولو خبرا حتى كاد ينسى اسمه الحقيقي " علي حسن تفاحه" فمنذ البداية لقبه صاحب المزرعة " بعنتر" لصلابته ورشاقته في مساء احد الأيام حين كان يغسل الجياد بالماء والصابون مر عليه ثابت بيك وأثنى عليه لنشاطه وعندها تحمس وطلب منه أن يسمح له بزيارة أهله قائلا له :" عمي ثابت بيك البلاد اشتاقت لأهلها" فرد عليه ثابت بيك :
"لأ يا عنتر ولمن تترك المزرعة فهي بحاجة إليك " تأثر من جواب ثابت بيك وبدت عليه علامات الحزن حتى أحست زوجة ثابت بيك به وسألته وعندما أفصح ما بداخله هدأت من زعله قائله :" سوف اكلم ثابت بيك وإنشاء الله بصير خير " كلماتها أدخلت الى قلبه الأمل والفرح وفي اليوم التالي بينما كان يسقي أشجار التفاح مرت بالمكان ابنة ثابت بيك "مبروكة" ممتطيه الجواد " وضاح" نادته :" يا عنتر أبوي عايزك مر عليه في المساء " .
ــ" أنا بأمرك وأمر أبوكي " قال مازحا.
ــ" دير بالك على وضاح هذا حصاني " ولكزت الحصان وتابعت طريقها بقي عنتر واجما حتى ابتعدت وكادت تختفي تنهد وقال:" يسلم الحصان وصاحبته" .
وافق ثابت بيك على زيارة عنتر لأهله على أن يعود بسرعة وأعطاه نصف أجره حتى يعود ويكمل له بقية الأجرة، ما أن وصل وسلم على أمه ووالده وأهله حتى أحس بمشاعر غريبة تدفعه للعودة الى المزرعة أهو حبه للعمل أم اشتياقه لمبروكة أو رغبته في امتطاء الجياد ؟
ودع والديه بكت أمه عند وداعه ـــ" يما يا علي ملناش غيرك دير بالك عحالك الله يرضى عليك " كانت دعوات أمه زوادته في غربته. وصل المزرعة ورحب به الجميع ثابت بيك وزوجته ومبروكة ولوحظت الفرحة على وجوههم لعودته حتى الجياد صهلت عندما رأته في ساحة المزرعة.
استلقى ليستريح من عناء السفر أغمض عينيه وبدأ يراجع ذاكرته منذ سفره حتى عودته ولم يتوقف ذهنه الا عندما قالت له مبروكة:" اشتقنالك يا عنتر يا أهلاً فيك" تبسم وراح يغط في سبات عميق.
زاول عمله كالمعتاد وكان على دراية ان هذه الفتره ستكون صعبه لأن موسم القطيف على الأبواب وكان ثابت بيك اخبره بأنه حين يحل موسم القطيف سيحضر عمالا يساعدونه على القطيف .
بدأ بتجهيز الصناديق الخشبية استعدادا للقطيف مرت مبروكة وقالت له مازحه" بدك مساعده ؟"
ــ"بدنا همتك بكره بالقطيف " . وكان يعرف بأن أفراد عائلتها لا يشاركون في العمل الا نادراً
علا صراخ عنتر وهو يرى عمال القطيف الجدد يكسرون أغصان التفاح أوقفهم عن العمل وذهب الى البيت مناديا:"  يا ثابت بيك" رد ثابت بيك فزعا:" مالك يا عنتر خير إنشاء الله ؟" ــ"منين يجي الخير لا يجوز أن نقطف الثمر ونكسر الشجر "
ــ " وما الحل يا عنتر ؟"
ــ" أنا لوحدي سوف اقطف البستان "
ــ" البستان كبير يا عنتر "
ــ" وعلى إيش مستعجلين ؟ كل ما أتأخرنا كل ما زاد سعر التفاح "
ــ" طيب اعمل هلي بيرضيك بكره مبروكة بتعاونك وشو ما قطفتم مليح "
وفي الصباح وقبل أن يطير الندى سمع وقع أقدام وصوتا خافتا يناديه كان صوت مبروكة ممزوجا بالغنج والخجل فتظاهر بالنوم . نادته:" يلا يا عنتر الدنيا صارت الظهر " ولكنه لم يرد مدت يدها مترددة ومررتها على جبينه أحس برعشة فتح عينيه متثائبا
ــ" صباح الخير يا مبروكة ياه راحت عليي نومه "
ــ" يلا قوم بلا كسل ".
عمل في ذلك اليوم بجد ونشاط وتمنى أن تقف عقارب الزمن عند هذا اليوم كي تبقى مبروكة الى جانبه ملأ جميع الصناديق المعدة لذلك اليوم وأثبت لثابت بيك أنه ومبروكة" قدها وقدود" سر ثابت بيك كونهم وفروا عليه أجرة عمال ووعد عنتر بمفاجأة ومكافأة عند انتهاء الموسم .
وهكذا مرت الأيام تلو الأيام وهو لا يدري هذا الشعور اتجاه مبروكة أحب العمل لأجلها أحب المزرعة لأجلها وما سر هذه الدقات في قلبه عندما يراها أو تقترب منه إحساس غريب لم يتعود عليه من قبل بقي في دوامة الأسئلة حتى وقع كلام مبروكة كالصاعقة فوق رأسه كانا يومها تحت العريشة يتظللان من وهج الشمس التي أرسلت سهامها فهربا تحت عريشه العنب . ــ"دريت يا عنتر زارنا ابن خالي الليلة ." لم يكترث عنتر لهذا الكلام ورد ساخرا:" زارتكم البركة" . وابن خالها شاب ثري ورشيق تتمناه كل بنت. أجا طلبني من أبوي بدو يخطبني انتفض عنتر كمن لسعته أفعى وتلعثم ولم يدر بماذا يجيب .
ـــ" مالك يا عنتر ؟؟" بقي واجما كأن على رأسه الطير وأحست مبروكة بضيق عنتر وتداركت الأمر . ــ" أبي لم يعطيه جوابا وأنا غير موافقة" وقع كلامها على قلبه كالمياه الباردة في هذا الحر القائض وتظاهر بأنه غير مبالي . ــ" ليش ما وافقتي ؟" سألها
ــ"مش عارفه يا عنتر ". كلامه مع مبروكة ادخله دوامة لم يعرف سببا لها أهي الغيرة؟ أهذا هو الحب الذي يتكلمون عنه ويغنون له ؟ مرت الأشهر والسنوات وهو يعمل بجد ونشاط وكل يوم يكسب رضا ثابت بيك ولم يعد يطيق الابتعاد عن مبروكة التي بادلته نفس الشعور عندما أطل ذلك اليوم المنحوس، ليلتها حلم حلما مفزعا حلم بأنه يمتطي الجواد "بلبل" ومبروكة على ظهر "وضاح" وبدأ السباق وعندما كان السباق في ذروته ظهرت أفعى أجفلت وضاح وارتطمت مبروكة بالأرض فصرخ عنتر :" مبروكة ، مبروكة " صحا من نومه مذعورا ولم يغمض له جفن حتى الصباح.
كانت مهمته إكمال حفر البئر في ذلك النهار بين بستان التفاح وكرم العنب وكم كانت فرحة ثابت بيك كبيرة حين اقترح عليه أن يحفر بئر ماء قبل حلول فصل الشتاء ليجمع مياه الأمطار وأثنى على فكرته وصار جهد عنتر ونشاطه حديث المزارع المجاورة قص حلمه المزعج على مبروكة التي جاءت تساعده على انتشال التراب من قاع البئر . ــ" هاي من حبك إلي قالت " مازحة ، ــ" والله بحبك من كل قلبي يا مبروكة "
ــ" أنا عارفه"
ــ" شو إلى عرفك "
ــ " صهيل وضاح والداليه هلي قعدنا تحتها خبرتني على كل اللي في قلبك مش ذاكر أعطيتك غصن منها وقلتلك أزرعه بساحة دارك "
ــ" ذاكر يا مبروكة ذاكر وزرعتها وكبرت واخضرت وان شاء الله سنأكل من ثمرها أنا وأنت "
كان يوما خريفيا حارا كان هو داخل البئر وهي تتناول التراب منه لترميه جانبا كان يغني فرحا ويغازل مبروكة وفي ذروة فرحه دوت صرخة مبروكة كالرعد فشب من قاع البئر كالأسد الذي شعر أن لبؤته في خطر شاهد مبروكة مستلقية على الأرض تئن من الألم سألها ما بها فأشارت على عقرب كبيرة صفراء هجم عليها وقتلها خلع قميصه ليربط ساق مبروكة كشفت عن ساقها وتراءت أمامه قطعة من البلور ارتعشت يداه وهو في مهمته تمنى أن يكون هو المصاب.
في هذه اللحظة مر ثابت بيك ورأى عنتر ومبروكة في هذا الوضع غلى الدم في دماغه وهجم على عنتر بالعصا وهوى بها على رأسه أزاح رأسه وارتطمت بصدر مبروكة وهشمته وفر من المكان وهو يصيح :" حرام عليك حرام عليك " عاد الى بلده حزينا وانطوى على نفسه ولم يخبر أحدا بما جرى بقي على هذه الحال حتى ألحت عليه والدته بالزواج وتزوج من سلمى التي حاولت إخراجه من دائرة أحزانه وعندما كانت تجاهد لتخرج الى الوجود ثمرة زواجهما ماتت سلمى وولدت ابنته مبروكة. كانت النسمات المسائية تدغدغ جبهته تحت العريشة وهو سارح بأحزانه شاهد فراشتين ملونتين تسرحان وتمرحان بحب وهناء يبن القطوف المتدلية التي حباتها تتلألأ كالبلور بعيدتان عن عيون ثابت بيك.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق