اغلاق

حديث في المساحة بين العمل السياسي والتضليل السياسي

بسرعة تبدو للبعض فائقة تستوجب الشرح والتأويل وتثير أسئلة كثيرة حول ما اذا كانت اسرائيل قد عاشت طيلة سنوات

 
المحامي زكي كمال
 
وربما طيلة اكثر من عقد حالة من التضليل السياسي بكل ما يتعلق بالقضايا الجوهرية التي واجهت البلاد او تلك التي  اختيرت فزاعة تخويف من قبل القيادات عامة ورئيس الوزراء السابق ورئيس المعارضة الحالي بنيامين نتنياهو خاصة ،  ووسط حالة تذكرني بالنهاية المفرحة لرواية " العمى" للكاتب جوزيه ساراماغو، والتي ملخصها صراخ الأعمى الأول “أنا أرى، أنا أرى”، بعد ان عاد له بصره بدون مقدمات كما ذهب منه بدون مقدمات، وفرح الفتاة ذات النظارة السوداء بعد أن عاد لها بصرها هي الأخرى ورجعت إلى بيتها، بينما استعاد الطبيب هو الآخر بصره وتعالت صيحات الفرح في الشارع بسبب استعادتهم لبصرهم جميعًا وذهب وباء العمى فجأة كما اجتاح المدينة فجأة، تعيش البلاد هذه الأيام وبعد مرور شهر بالكاد على عهد الحكومة الجديدة، حكومة التغيير كما يسمونها، مرحلة انكشاف الحقائق التي طالما كانت خافية او مخفية عمدًا طيلة السنوات السابقة.
قبل الخوض في التفاصيل وهي كثيرة يمكن القول واستمراراً لما سبق أن الحكومة الجديدة حتى وإن ما زالت حديثة العهد غضة العود تحاول ان تستدل طريقها وسط ظلام دامس، الا انها ورغم انها لم تحقق بعد إنجازات واختراقات تذكر، الا انها أنجزت امرًا هامًا يبدأ بالرياح الإيجابية التي هبت فور تشكيلها والقبول الذي حظيت به بل الترحيب الذي قوبلت به عالميًا واقليميًا وهما امران يشكلان حاليًا شهادة إيجابية لكنهما يلزمان الحكومة الجديدة مستقبلاً بأن تتحلى بالقدرة على الإبداع والمبادرة بكل ما يتعلق بالقضايا العالقة والشائكة وفي مقدمتها العودة الى المفاوضات مع الفلسطينيين والعلاقات مع الأردن وكذلك الشأن النووي الإيراني، لكنها فوق ذلك كشفت كما يبدو المستور او ما كان خافيًا.
عملًا بقول الحكيم سقراط، أن السر في عمل التغيير يكمن في أن تركز طاقاتك ليس في محاربة القديم بل في بناء شيء جديد جاءت الحكومة الجدية لتكشف ضرورة بناء شيء جديد ومغاير بكل ما يتعلق بالشأن النووي الإيراني خاصة بعدان اتضح ان نتنياهو اكتفى بالحديث دون العمل في هذا السياق وانه وإن كان قد أقنع إدارة الرئيس الأميركي السابق  دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع ايران الا انه لم يفعل شيئًا لمنع تقدم ايران في تخصيب اليورانيوم بل بالعكس فقد شكل انسحاب واشنطن ترامب من الاتفاق ثغرة استغلتها طهران لتسريع التخصيب والاقتراب اكثر من القدرة النووية، كما اتضح ان نتنياهو ورغم تكراره تصريحاته حول كون السلاح النووي الإيراني خطراً وجوديًا على إسرائيل يجب مواجهته بكافة الوسائل الا انه لم يكن ينوي اللجوء الى الخيار العسكري بعكس مناحيم بيغن الذي قرر قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981وإهود أولمرت الذي قرر قصف المفاعل النووي السوري الذي بناه بشار الأسد عام 2007 ، ولتتضح الحقيقة وقوامها انه اذا كان العالم كله بما فيه الولايات المتحدة  والدول الأوروبية كلها تعتبر السلاح النووي الإيراني خطراً على العالم كله كما ادعى نتنياهو بل تباهى بإجماع عالمي حول ذلك، فلماذا لم تحرك ساكنًا لمواجهته وابادته وهي التي لم تتورع عن غزو دول لأقل من ذلك كما حدث ابان حرب الخليج الأولى على خلفية الادعاءات الاميركية التي اتضح انها استندت الى معلومات وتحليلات استخبارية إسرائيلية حول وجود أسلحة كيماوية وبيولوجية في عراق صدام حسين، ليتضح ان نتنياهو نسي ان مواجهة الخطر النووي الإيراني وشبح القنبلة النووية لدى نظام الآية الله تتم عبر الأعمال وليس الأقوال وعبر عمل حقيقي وجاد وليس عبر إلهاء الرأي العام وتضليل الجماهير وتحويلهم الى عميان عبر " تدجينهم وتطويعهم" لخدمة ومصلحة فكرة معينة  كتلك التي تحدث عنها جوزيه ساراماغو في روايته سابقة الذكر في محاولة لتبيين الكيفية التي تولد بها هذه التوجهات والنظم وتكبر وتتمركز، مستخدما رمزية العمى ليُعبِّر عنها، مع إختيار "عمى" مختلفا غير اعتيادي، يصيب البشر فجأة وينتقل بالعدوى، ويعكس على العينين صورة واحدة ووحيدة يريدها القائد والسياسي خدمة لمصالحه وأهدافه.
ثمة من يعتقد ان " إلهاء العامة" هي خصائص يتّسم بها القادة الدكتاتوريّون عبر التاريخ، وقد تتوافر كلّها أو بعضها في سلوك الدكتاتور حسب النظام الذي يمارس سلطته في ظلّه، وحسب السياقات المكانيّة والزمانيّة، لكن الحقيقة ان الأمر لا يقتصر فقط على المجتمعات الشموليّة، بل حتى المجتمعات الديموقراطية الليبرالية التي تقع ضحيّة للدعاية، لكنّها ليست دعاية مباشرة وتقليدية كالتي تشهدها المجتمعات المغلقة، بل دعاية معقّدة مستترة قائمة على تخويف الجماهير وإيهامها بأنّه لا يجري التلاعب بها، بل أنها تتعرض لرسائل واقعية ومتوازنة، كما قال الباحث المعروف نوعام حومسكي، من أن الدعاية في الديمقراطيات، ومنها اميركا، تُمارس من خلال السيطرة على التفكير عبر تضليل الجماهير بـخدع ضرورية وعندما تنكشف هذه الخُدع، وتظهر الممارسات غير الصحيحة، يجري اللجوء إلى تكتيك دعائي آخر هو "السيطرة على الضرر عبر اتهام الآخرين بالمسؤولية عن النتيجة تمامًا كتصريح نتنياهو ان إسرائيل غير ملزمة بقبول التوجه الأميركي الجديد لإدارة جو بايدن والمتمثل باستئناف الحوار مع طهران بل انها "ستأخذ حقها بيدها" مشيرًا الى الخيار العسكري دون ان يسأل نفسه لماذا لم يلجأ اليه أصلاً اذا كان الخطر محدقًا فعلاً.

الكلمة الاخيرة في الشأن النووي الإيراني للإدارة الاميركية
وبما انه لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها ، فقد بات واضحًا ان الكلمة الاخيرة في الشأن النووي الإيراني ستكون، تمامًا كما كانت دائمًا وابدًا للإدارة الاميركية وهي التي ستفرض الحل فالعمل العسكري كما اشارت المعطيات بات صعب المنال بعد ان حصنت طهران منشآتها بما يمنع تضررها من القصف ما يعني استمرار الضربات السيبرانية الخفية " على هذه المنشآت دون مهاجمتها، وهو ما يجسد حالة إسرائيلية متجذرة تشكل معادلة غريبة تعتبر إسرائيل نفسها في شقها الاول دولة وقوة عظمى عسكرية في المنطقة والعالم وبالتالي يمكنها استخدام قوتها العسكرية ضد الدول العربية او القريبة أي انها تحدد لنفسها الأهداف وتختارها بمحض ارادتها، لكنها  في الشق  الآخر من المعادلة تقف عاجزة مشلولة امام خيارات التفاهم والتوصل الى اتفاقيات كما يتضح من مراجعة سريعة للاتفاقيات التي وقعتها اسرائيل مع جاراتها في المنطقة، فاتفاقيات كامب ديفيد فرضها أنور السادات على إسرائيل بعد زيارته المفاجئة اليها، واتفاقيات أوسلو عام 1993 فرضها الرئيس الأميركي بيل كلينتون وكذلك اتفاقيات السلام مع الأردن عام 1994( وسنعود  لاحقًا لما يؤكد هذا الأمر مع الأردن تحديدًا) اما الاتفاقيات الابراهيمية او اتفاقيات  المصالحة والتطبيع مع الامارات والبحرين والسودان وعمان فقد فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بمعنى ان إسرائيل تعتبر نفسها جزءً من الشرق الأوسط عسكريًا وأمنيًا لكنها تفشل في جعل نفسها جزءً من المنطقة سياسيًا وإنسانيًا.
ولعل خير دليل على ذلك هو ما تشهده العلاقات الإسرائيلية الاردنية من تطورات وتغيرات، وهي التي تدهورت إبان عهد نتنياهو، فرغم ان الأردن ووفقًا لاتفاقيات السلام هو شريك أمني رئيسي لإسرائيل لكن العلاقات بينهما تضررت في السنوات الأخيرة بسبب التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة والأوضاع في القدس والمسجد الأقصى وقضية الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة من جهة اخرى، ناهيك عن ان العاهل الأردني قد عارض بشدة خطة السلام في الشرق الأوسط التي طرحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وسميت" صفقة القرن" واعتبرها الأردن تهديدا للأمن القومي وتقويضا لوصاية العائلة الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس، إضافة الى المخاطر التي امكن أن تُهدد الأردن جراء قرارات الضم الإسرائيلية التي كان تنفيذها كفيل بقطع الحبل السري والامتداد الجغرافي والطبيعي بين الأردن والضفة الغربية والأغوار حيث ستقطعه إسرائيل بضم غور الأردن، وستُصبح إسرائيل بعد تغيير الجغرافيا الجار الأبدي للمملكة الأردنية الهاشمية، وعند ذلك ستنتهي كل الآمال والأحلام والشعارات بالتكامل الاقتصادي بين ضفتي النهر، مما يُعيد إلى الطاولة خيار الوطن البديل في الأردن بعد أن تتهاوى السلطة الفلسطينية.
ولعل اللقاء السري بين رئيس الحكومة الجديد نفتالي بينيت والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ولقاء وزير الخارجية يائير لبيد ونظيره الأردني ايمن الصفدي، بعد انقطاع طويل بل قطيعة وعداء مع حكم نتنياهو وصل ذروته لإلغاء اتفاقية قناة البحرين ومشاريع تحلية المياه التي رافقتها بقرار شخصي من بنيامين نتنياهو مدعياً انها ستكلف اسرائيل مليارات الدولارات رغم ان التكاليف الحقيقية هي 400 مليون دولار تتحملها إسرائيل والأردن مناصفة، هو الدليل على ان الأردن لم يكن عدوًا حتى على خلفية صفقة القرن، بل ان سياسة التضليل سادت وصاغت الأفكار والمواقف في اسرائيل تجاه الأردن الذي اعتبره نتنياهو حاجزًا يحول دون تنفيذ مخططاته وطموحاته في الضفة والأغوار والقدس، فها هي الحكومة الجديدة تبيع الأردن 50 مليون متر مكعب من المياه في خطوة ملخصها أن التعاون كفيل بحل المشاكل وان الحوار خاصة بكل ما يتعلق بالأزمة المائية التي تعيشها المنطقة،  تمامًا كما هو الحال في قضية سد النهضة الذي تبنيه اثيوبيا وبدأت بالمرحلة الثانية من تعبأته بالمياه، ما يثير التوتر بينها وبين مصر والسودان اللتين توجهتا الى الأُمم المتحدة رغم ادراكهما ان الأُمم المتحدة لم تحقق شيئًا في حل النزاعات الدولية، هي الكفيلة بمواجهة الشح في المياه، علمًا ان الغاء اتفاق تحلية المياه سابق الذكر قوبل بغضب شديد من الملك الأردني وتم اعتباره محاولة للانفراد بالأردن والضغط عليه بعد ان تيقنت او ظنت اسرائيل انه أصبح مكشوف الظهر على ضوء مواقف بعض الدول الخليجية وتساوقها مع مواقف إدارة ترامب وصهره كوشنير ومساعده جيسون غرينبلات.

* إيران كانت وما زالت ماثلة في القضية اللبنانية
إيران كانت وما زالت ماثلة في قضية أخرى تهم اسرائيل وهي ما يجري في لبنان منذ سنوات طويلة وما جرى من تدخل لحركة " حزب الله" في الحرب الأهلية التي دارت رحاها قرابة تسعة أعوام في سوريا، فها هي إيران مستعينة بحركة "حزب الله " تعمل على توسيع موطئ قدمها في لبنان خاصة خلال الازمة الأخيرة وسط تحذيرات من ان الوضع المتفجر الذي وصلت إليه بلاد الأرز، قد يقرّب إسرائيل من المواجهة مع جارتها، حتى ان حرب لبنان الثالثة هي مسألة وقت ليس الا، خاصة وأن حزب الله يواصل جهوده ومساعيه في دعم المنتجات الغذائية والوقود، وفتح شبكة صراف آلي خاصة بالمواطنين الشيعة فقط. هذا في الوقت الذي ينهار فيه النظام المصرفي وترتفع أسعار الوقود بسبب النقص الحاد في السوق.
من الواضح ان الانهيار الاقتصادي الشديد في لبنان والفراغ الحكومي الذي نشأ فيها يدخلان المؤسسة الأمنية في إسرائيل ​​في حالة استنفار خاصة وأنه في موازاة ذلك، يواصل حزب الله التسلّح بمنظومات جويّة تهدد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في المجال الجوي اللبناني والمنطقة وهو ما اعتبره خبراء عسكريون إسرائيليون قضية مقلقة جداً، خاصة اذا ما أضيف اليها عدد من الأحداث الخطيرة التي شهدها لبنان العام الماضي، أبرزها استمرار تطوير وتقدم مشروع الصواريخ الدقيقة لحزب الله الذي يهدد الجبهة الداخلية الإسرائيلية بشكلٍ عام ومنشآت استراتيجية مثل محطات الكهرباء والبنية التحتية للمياه ورموز حكومية على وجه خاص.
احتمالات حرب لبنان ثالثة تبدو حقيقية وبالتالي ومن هنا تم إرسال رسائل إلى كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية مفادها أن على الولايات المتحدة أن تدعم وتقوي الجيش اللبناني لمنع حصول فراغ أمني آخر سيدخل فيه حزب الله وإيران بسرعة طالما لا يوجد تقدم في المفاوضات حول الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في ظل الأوضاع السياسية في بلاد الأرز التي لا تسمح بأي تقدم من دون موافقة حزب الله.

* الجيش اللبناني مسألة مقلقة جدا
مسألة أخرى تقلق جداً المؤسسة الأمنية في اسرائيل هو الجيش اللبناني، حيث تسود الخشية من ان تفكك الجيش اللبناني بسبب المشاكل الحالية ونقص العتاد بل ونقص الميزانيات لضمان توفير الغذاء والماء والرواتب سيعزز من مكانة "حزب الله" ويساعده على السيطرة على منظومات أسلحة مثل الدبابات والطائرات وأسلحة أخرى.
بات من المؤكد إذًا إن الاستعداد المتوقع من جانب الجيش الإسرائيلي في حال نشوب حرب مع حزب الله، سيحتم عليه تعزيز قدراته لأسباب عديدة من بينها القدرات الفتاكة لدى حزب الله وتعقيدات المواجهة المسلحة خاصة إذا ما تطلب الأمر تنفيذ مناورة برية عميقة.
ختامًا والخلاصة هي ان الحكومة الجديدة خلقت أجواء إيجابية عليها صيانتها محليًا وإقليميًا عبر تعزيز الشراكة بين مركباتها وتحسين طرق عملها الداخلي وعبر مبادرات أهمها استئناف الحوار مع الفلسطينيين تمامًا كما فعلت الإدارة الأمريكية الجديدة التي يبدو انها عازمة على إعادة الفلسطينيين الى الساحة السياسية والدبلوماسية الإقليمية، من منطلق ان القضية الفلسطينية لن تختفي ولن تزول وان تجاهل المشكلة لا يعني حلها او زوالها بل ارجاءها الى حين فعادةً ما يُسَبِب التجاهل والإهمال أذىً أكثر.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق