اغلاق

إنقلاب على الله ، بقلم: د. رمزي عودة

منذ حرب الخليج الثانية، وما عاناه الفلسطينيون فيها من تكاليف باهظة، إنتهجت القيادة الفلسطينية نهجاً إستراتيجياً ما زال قائماً الى الآن، يقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية


الصورة للتوضيح فقط - تصوير simpson33 iStock

 للدول العربية بأي شكل من الأشكال، وكان الهاجس الأساسي لهذا النهج هو تجنيب شعبنا الفلسطيني في الشتات ويلات الانتقام السياسي. وبالفعل إستمرت قيادتنا منذ الراحل الشهيد أبو عمار وحتى في فترة حكم السيد الرئيس محمود عباس في إتباع هذا النهج الحكيم، وقد إمتنعت إدارة السيد الرئيس عن إتخاذ أية مواقف سياسية تجاه أحداث الربيع العربي في مصر واليمن وسوريا وغيرها من الاقطار التي حدثت فيها إضطرابات سياسية. وفي الوقت الذي عانت غالبية الأقطار العربية من حروب داخلية وإنقسامات نتيجةً لموجة التحول الديمقراطي التي حدثت في أعقاب ثورات الربيع العربي أو كما يسميه البعض "الخريف العربي"، فإن الموجة منيت بالفشل، سوى في تونس الشقيقة،  التي كانت أولى هذه الثورات وملهمتها، وقد نجحت بها عملية التحول الديمقراطي وإستقرت نسبياً الى حد ما منذ نجاح الثورة في إسقاط حكم بن علي في العام2011.
واليوم، تنتفض تونس من جديد، حيث أقال الرئيس المنتخب قيس بن سعيد رئيس الحكومة هشام المشيشي، وجمد البرلمان وأسقط حصانة أعضائه، وأعلن توليه السلطة التنفيذية مع رئيس وزراء يقوم بتعيينه بنفسه. وقام بن سعيد بهذه الخطوة، إستناداً الى صلاحياته المخولة له بالدستور في المادة 80، حيث يحق للرئيس في حال تعرض الدولة ومؤسساتها الى الخطر والفوضى والانقسام أن يقوم بحل البرلمان. وفي الواقع، هدد بن سعيد في أكثر من مرة راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الاخواني ورئيس البرلمان  بتطبيق المادة 80 من الدستور في حال إستمرار حكومة النهضة  بإساءة حكم البلاد وإنتشار الفقر والبطالة ووباء كوفيد 19 ؛ وهو الأمر الذي أدي الى إنفجار المظاهرات الشعبية المنددة بحكومة النهضة والمطالبة باقالة الحكومة وحل البرلمان، مما حدا بالرئيس التونسي الى الاستجابة للضغوط الشعبية وتطبيق المادة "80" . وبالطبع ندد الغنوشي بقرار إقالته ودعا حزبه الى التظاهر ضد بن سعيد وإسقاط حكمه واصفاً قرارات الأخير بأنها إنقلاب على الحكم. وإزدادت حدة لغة الجماعات الاخوانية المنددة في مختلف البقاع، ودعت هذه الجماعات الى مقاومة قرارات بن سعيد حتى ولو بحمل السلاح، وهذا ليس غريباً على  فكر وممارسة الجماعات الاسلاموية، وهو ما رأيناه مسبقاً في مصر وسوريا وحتى في فلسطين في عام 2006.
كتبت مقالاً في الحياة الجديدة قبل أشهر معنون بـ "انتهى عصر الاسلاموية"، تحدثت فيه عن إنحسار مد الجماعات الاسلاموية في العالم العربي مؤخراً، حيث ضعفت هذه الأحزاب بشكل ملحوظ في الأردن والكويت والسودان وغيرها، ولهذا لم نتفاجئ كثيرا بقرارات الرئيس بن سعيد المساندة شعبياً بإقاله حكومة النهضة، وخاصةً أن غالبية الأحزاب والحركات  اليسارية والليبرالية والوطنية في تونس بما فيها إتحاد الشغل أيدت قرارات بن سعيد، ولكن الذي فوجئنا به حقاً هو تصريح القيادي في حركة حماس موسى أبو مرزوق المنددة بخطوات بن سعيد واصفاً إياها بأنها "إنقلاب على الله". وتعتبر تصريحات أبو مرزوق تعتبر خروجاً عن الموقف التاريخي للقيادة الفلسطينية، بضروة تجنب التدخل في القضايا العربية، وستؤدي حتماً الى إلحاق إضرار بمصالح الفلسطنيين المتواجدين في تونس. ومن حانب آخر، تحتم علينا هذه التصريحات إعادة فهم حقيقة عقيدة الاخوان المسلمين السياسية، حيث يعتبرون أنفسهم خلفاء الله على الارض، وأن دولتهم هي دولة الخلافة التي لا يجب أن تمس، وأن الحاكم هو ظل الله على الارض، واذا ما تم معصيته فإن ذلك يعني معصية الله أو إنقلاب عليه. وهذا يعيدنا الى نظرية الحق الالهي في الحكم، بإعتبار الله وليس الشعب هو مصدر السلطات. وفي ذلك تعدي واضح على النظرية الديمقراطية التي تتغنى بها النهضة وتطالب بإستردادها لأنها تتماشى فقط مع مصالحهم الآنية. وفي النتيجة، ما حدث في تونس لا يعدو على كونه تصحيحاً للمسار الديمقراطي الذي بدأ منذ عام 2011، وهو مسار لن يكتب له الاستمرار في ظل الفكر الظلامي الذي لايؤمن بالأساس بالعملية الديمقراطية. وبالضرورة، فان اللجوء الى المعترك الانتخابي مستقبلاً يعتبر مطلباً مهماُ في تونس، ولكنه لن يكون كافياً ومستقراً اذا ما سمح للنهضة للدخول فيه مرة أخرى.


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق