اغلاق

من تراثنا الطيباوي الشعبي - موسم التين

تراثنا الطيباوي الشعبي أرشيف يحتفظ بالمبادئ والنظريات الاجتماعية، التقاليد والعادات التي تنشأ عليها أجيالنا في مراحل عمرها المختلفة، والتراث أيضاً موسوعة


المربيّ محمّد صادق جبارة

تضم جميع القوانين المجتمعية غير المكتوبة، تلك القوانين التي يتشكل الناس سلوكياً على أساسها منذ الطفولة .
تراثنا بطبيعته ينبع من وجدان شعبنا الطيباوي، ويمثل جميع جوانب حياته، بالإضافة إلى عراقته وقدمه، فإن ما يميز التراث الطيباوي الشعبي التصاقه بالأرض، وبما أن بلادنا زراعية، كان معظم سكان الطيبة من الفلاحين، وقد كان للمواسم الزراعية نصيب وافر من هذا التراث .
يتجلى ذلك في الأمثال الشعبية التي تحكي عن الطقس والرياح، ومواعيد الزراعة وجني الثمار، وعن " المكاثي " ونضوج التين والصبر والعنب .
هكذا نلاحظ أنه في كل فترة في السنة هنالك موسم يزخر بالعطاء والتجدد ويشهد على كرم الطبيعة وجمالها ، ففي الربيع تسيل المياه في الوديان بعد أن ارتوت مما جادت به السماء، فتمتلئ الأرض بأزهار الحنون، وما أن يعتدل الطقس في حزيران حتى يبدأ موسم " الفقوس "، ثم تنهمر أطيب أصناف الفواكه كلها دفعة واحدة بروائحها الفواحة وطعمها اللذيذ.

" موسم التين "
نحن الآن في شهر آب بداية موسم التين في بلادنا، وأجدني اليوم مشدوداً إلى الكتابة أكثر من أي وقت مضى، لأن هذا الموسم كان مهما لدى فلاحي القرية.
موسم التين كان يعتبر من أجمل مواسم بلدتنا، فكان الناس ينتظرونه بفارغ الصبر ويحسبون الأشهر والأيام في انتظاره ويستعدون لاستقباله والتمتع به حتى النهاية، أنا لست مزارعا، لكنني أحب الزراعة لأن الزراعة هي التمسك بالأرض .
لقد سمعت من أفواه الكثير من الفلاحين الذين عاشوا هذا الموسم سنين طويلة من عمرهم و تفاعلوا معهم بكل جوارحهم.
ومن حديثهم الشيق فهمت منهم أن موسم التين موسم راحة ونزهة، كما يجد في هذا الموسم تخفيضاً في مصروفاته البيتية، فالأطفال يلعبون ويمارسون هواياتهم المفضلة في الصيد واللعب، والنساء ترتاح من عناء موسم الحصاد وتقوم بتجهيز ما يحتاجه بيتها من أدوات منزلية كنسيج القش، أطباق (الصواني) وتصنع الفخار للوازم بيتها، والآباء يتمتعون بشهر نزهة مع عائلاتهم في كروم العنب والتين .
التين في بلادنا يسمى بأسماء محلية معانيها مأخوذة من بيئة الفلاح حيث نجد إختلاف الأسماء للنوع الواحد في المناطق المختلفة وربما يكون بعض أسماء التين غريبة للمواطن الطيباوي منها :
البياضي، الشنيري، السباعي، السوادي، الشحيمي، الفلنطاعي، الغزلاني، الخروبي، الحميضي، المليصي، القراعي، العديسي، العسيلي، الموازي والمدني .
أما بلدتنا الطيبة اشتهرت بزراعة عدة أنواع من التين ومنها :
 - إخضاري .
-  إصفاري .
-  إموازي .
- إحماري .
- إحماضي .
عادات طيباوية في موسم التين
ومن عادات أهل بلدتنا وأنا أذكرها جيداً، أنه قبل أن يطل شهر آب، يقوم من لا يملك أشجار التين بضمان كرم أو عدة شجيرات أو شجرة واحدة تكفيه وعائلته، كما تقوم الأم بتجهيز لوازم التين قبل نضوجه فتصنع الأوعية و" المجوفة " المصنوعة من القش لأطفالها كما تصنع القبعة من القش لتستعمل في جمع ثمار التين صباحاً للأكل .
في بداية آب تقريباً يبدأ الثمر بالنضوج، ويقال " بشر التين " وهنا ينتشر الأطفال صباحاً كل يحمل وعاءه يبحث عن أول الثمر، ويعود الواحد منهم بحبات قليلة تحسب وتعد وهم يغنون بأصوات مرتفعة :
تين مشطب ع الندى ما حدا يطعم حدا
تين مشطب تشطيبه الواحد يطعمي حبيبه

" ناطور كرم التين "
حدثني أحد المسنين أن أكثر ما كان ينتظره أولاد القرية، خاصة من هم دون الخامسة عشر، من الجنسين، في موسم التين هو نضوج الثمر، لكي يقوموا بحراسة الكرم، ويسمى الفرد منهم ( ناطور ) حيث يبني الأب لهم (عريشة أو الخص) في الكرم، يجلسون به أثناء الحراسة .
ويعتبر الأطفال واجب " النطرة " نزهة لهم وتغييراً لجو القرية، إلى جو أكثر هدوءاً وراحة لأجسامهم خاصة أن موسم الحصاد و" درس القش " قد انتهى أو هو على وشك النهاية، كما يجدون فيه أفضل جو لممارسة هواياتهم المفضلة في الصيد واللعب .
كانت تسود الحياة التعاونية بين جيران الكروم في الحراسة، كما كانوا يتشاركون في الأكل والطبخ والعمل ومناوبة الحراسة ويمارس الصبيان بعض الألعاب الشعبية كلعبة " الطميمة " و " البعرة " و " اللحقة " و " الإلحاح " .

" نزهة عائلية ممتعة "
يعتبر التعزيب في كروم التين والعنب من أهم مميزات هذا الموسم وأجمل أيام السنة عند الفلاحين، فبعد أن ينتهي الفلاح من " درس " قمحه ويطمئن على حاجة عائلته من القمح يرتاح نفسيا، وينتقل مع عائلته بأكملها إلى الكروم، حيث يتخذون من العريشة أو " الشخص " بيتاً مؤقتاً يجلبون إليه أثاثاً متواضعاً لفترة تعزيبهم وأثناء النهار يعمل الأب وأبناؤه في " تجدير " الكروم وتعميرها، وعند المغيب وحلول الظلام يشعلون النار عاليةً ويتجمع الجيران يسهرون حتى منتصف الليل، وتعيش العائلة شهراً كاملاً في نزهة عائلية ممتعة، يعملون بالأرض نهاراً ويجمعون " الذابل " ويصنعون " القطين "، وعندما يبدأ ورق التين بالإصفرار والتساقط تقترب نهاية الموسم ويبدأ الفلاحون يجمعون أغراضهم استعداداً للعودة إلى بيوتهم .

من الأمثال الشعبية الطيباوية التي تتحدث عن التين هي :
- يا ريت التين 11 شهر
- التين إقطع واطيه والزيتون إقطع عاليه
- الطويل بطول التين والقصير بموت حزين
- زي التين في الفردة
- من قلة القطين أكلنا قموعه
- بتين وبلا تين ماضيات السنين
- اللي في جيبه قطين بوكل في إيديه الثنتين
- أيام التين خبي العجين
- إن طل العنب والتين بطلوا العجين
- إطعم دوابك في التين تلقاها في أيام الطين
- أيام عنبك وتينك تكثر محبينك

ثمرة التين من أكثر الثمار التي بحاجة إلى العناية الفائقة والمستمرة، فخلال موسمي العنب والتين تكون هناك حاجة ماسة إلى أيدٍ عاملة، ما يتطلب مشاركة جميع أفراد العائلة، خاصة بـ " دهن " حب التين بالزيت وذلك من أجل إنضاجه بسرعة وبيعه في الصباح الباكر للتجار.
هكذا كانت بلدتنا الطيبة في هذا الموس، هكذا كانت عاداتها وتقاليدها في هذا الموسم.
تحية للفلاحين و المزارعين من أبناء بلدتنا الطيبة الذين يزرعون هذه الأشجار المباركة و يعتنون بها ولا شك أن الله تعالى بارك هذه الشجرة حيث قال في كتابه العزيز : بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8( ".
تحية للفلاح المتمسك بأرضه لأنه ميراث الأرض التي لا قيمة لها من دونه، تحية للمواطن والمزارع و الفلاح لمن يحافظ على تراثه بعيداً عن تزييف التاريخ، فأنتم تزرعون وتقطفون الثمار بعد عناء ونحن نأكل من المحاصيل الزراعية.
ونذكر بقول الشيخ العجوز لكسرى أنوشروان :" زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون ".



أشجار التين في " سهل " الطيبة - الصور من الكاتب








استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من الطيبة والمنطقة اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
الطيبة والمنطقة
اغلاق