اغلاق

مقال: حتى نلتقي سوسة، بقلم : يوسف أبو جعفر من رهط

عندما فتح يده اليسرى على قبضة القمح، كان يحرك بإبهامه اليمنى ما في داخل القبضة، كان يقول أنظر جيدًا ستراها، هي التي أفسدت القمح، لقد استطعت مشاهدتها،


الكاتب: يوسف أبو جعفر ( ابوالطيب) - صورة شخصية

سوسة القمح، استطرد قائلًا هذه رغم صغر حجمها هي التي دمرت القمح، لن يصلح أغلبه للطحين، ربما في أحسن الحالات علفًا للماشية، كيف لحشرة صغيرة بهذا الحجم أن تحدث دمارًا يكاد يكون شاملًا؟
قال لي الفساد لا يدمر كل القمح، كل ما في الأمر أن القمح أصبح مصابًا، ولن ينظر إليه أحد لطعام البشر فقط للدواب، هكذا السوسة رغم صغرها إلا أن الفساد ديدنها.
وسوسة القمح هذه موجودة على مدى قرون نشاهدها في كل الأماكن، في الدول، المدن، البلديات، المدارس، المكاتب، المصانع في كل مكان، الفرق أن هناك من يقرر غربلة القمح وملاحقة السوسة وهناك من يتركها تسرح وتمرح وتصبح سيدة، فلا تأتي الساعة إلا وقد كبرت وأفسدت كل شيء.

بعض السوسة يصبح له مكتب همه الأول الفساد والافساد، مدعوم أو تصبح الرشوة والخاوة طريقه نحو تقديم الخدمة، ١٥٪؜ إدفع بتأخذ، أو إدفع لنتغاضى عن تجاوزاتك، فلا تصحو المؤسسة إلَّا وقد أصبحت السوسة حاكمة سارية المفعول، وربما ترتع براحة  وتلتهم وذريتها كل القمح.لن يصدق أحد أن السوسة  تستطيع إفساد أسم التاجر، ولكنها تفعل، هكذا كثرت سوسة المكاتب وأصبحت عنوان للخراب.

المشكلة عندما تصبح السوسة في مركز القرار، فلا يصبح ماليًا ورشوة، تؤثر على كل شي فتتحول من سوسة إلى اخطبوط فساد وعندها نخاف أن نتكلم، والجمهور يعرف والكل يعلم ولا أحد يطالب بغربلة القمح واخراج السوسة، وهكذا تصبح المؤسسة رديئة الأسم والصيت ولن يطول اليوم الذي نشعر بذراع السوسة وهو يمتد رغم صغر حجمها إلى كل المواقف الحياتية.
انواع السوسة كثيرة، وكذلك المفسدين والفاسدين، ليس في المال أو السلطة أو الحكومة، الفساد مقره هو الرضى بغير الحق، قد يكون ذلك لاعتبارات كثيره قد نسمي بعضها سياسة، مصالح، ضغوطات، واسطه كلها في النهاية فساد وإلَّا ما الذي يجعل أي مجتمع  يتقدم؟ إن لم تكن النزاهة بكل معانيها هي المنقذ.

في كل المجتمعات يوجد فساد وسوسة، ولكن هناك حرب على نسبة عيش الفساد، في نيوزلندا والدنمارك مثلًا الحرب على الفساد الأعلى في العالم لذلك تتربع هذه الدول على رأس قائمة النزاهة، أما في شرقنا فحدث ولا حرج فبلاد المسلمين العربية بعيدة عن القمة، وقسم كبير منها يتذيل القائمة، حتى أن إسرائيل تجلس في المكان ال- ٣٥ وهذا يعني أن نسبة الفساد عالية وليست بسيطة.

يحاول العلماء ربط نسبة الفساد وتأثيره على حياة الناس، الدول والمدن الفاسدة تُصغر العمر، تكثر فيها كل الجرائم، يزداد فيها سوء الادارة حتى يصبح الخوف هو عنوان المرحلة، هذا ليس حكرًا على الشرق، فالفساد في أمريكا أدى إلى سن قوانين لمحاربته في القرن الماضي وهو التي أعادت للمواطن موقعه ( امريكا في الموقع ال- ٢٥)، لذلك الفساد المستشري نذير شؤم على الناس البسطاء، على كل شيء وكل ذلك بدأ من سوسة صغيرة ولكنها أفسدت القمح.
وحتى نلتقي، هذا الباب كبير جدًا وليس من السهولة في مقالة على عجالة شرح طرق العلاج، ولكني شاهدت أبي رحمه الله يعزل أكياس القمح المصابة، وعندما كان يشاهد سوسة يقول أحياًنا يجب سحقها فهي أضعف من أن تقاوم، ارفعوا أكياس القمح النظيفة، لا تُدخلوا عليها بحجة ضيق المكان السوسة حتى يبقى للجيل القادم طحين نظيف للخبز.


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق