اغلاق

الحلم الموقّع ، قصة بقلم : ناجي ظاهر

مضت ثلاثة أيام وثلاث ساعات. ثلاث دقائق وثلاث ثوان حتى الآن، وهي لمّا تتصل بعد. السيدة تعود إلى صومعتها الصامتة الرهيبة وها أنت ذا تنهي فترة الانتظار


صورة من ناجي ظاهر

المحددة، وتبدأ بالتساؤل. لماذا هي لم تتصل كعادتها بعد انقطاعاتها المألوفة؟. ألم تعودك، خلال دهر من اللقاءات القليلة، على انقطاع يتلوه اتصال، واتصال يتلوه انقطاع؟ الم تعتد على تلك اللعبة بينك أنت معلم الموسيقى وبينها هي دارسة الفن وطالبة الدخول إلى ملكوته؟ ما الذي حدث لها ولك؟ لقد مضى التعاون بينكما، هي السيدة الأصلانية المعروفة، وأنت المعلم المهجّر.. شبه المجهول، بين مدٍّ وجزر، هي فهمت أنك لن تتصل بها، وأفهمتك أنها تدرك نفسيتك، غير الميّالة للاتصال بأي من الناس لا سيما اولئك الذين يهمك أمرهم. ولم يتوقف فهمها وإفهامها لك عند هذا الحد وأنما تجاوزه إلى أنها أخذت مَهمة الاتصال على عاتقها، فكانت تشدّ وترَ آلة العزف حتى يكاد ينقطع، بعدها ترخيه قليلًا قليلًا تمهيدًا لمعزوفة همسها الرنان يبعث في اذنك أحلى الالحان.

الآن هي تجاوزت كل فترات الانقطاع المألوفة السابقة، كل ثلاثيات الوقت صارت وراءها ووراءك.. فماذا عليك يا معلّم الموسيقى النحرير أن تفعل.. تحاول الاتصال بها.. رنّة وتغلق هاتفك.. كما فعلت أحيانًا؟ بعدها تهرع إليها في بيتها القائم في مرتقيات الجبال البعيدة.. القريبة.. العالية؟ تحرّك يا رجل تحرّك.. الوتر بدون تحريك يبقى مجرد خيط صامت.. تقدّم في معزوفتك الابدية.. افعل شيئًا.. حرّك سكون المياه الصامتة.

انطلق.. انطلق في شوارع هذه البلدة الحبيبة المتأبية، اقطع الشوارع والساحات العامّة أعبرها شاقًا طريقك إليها.. الاغلب أنك ستجدها بانتظارك كما حصل لحظة لقائك الاول بها. حينها استقبلتك مُرحّبة بك وبآلتك الوترية الرنانة. طلبت منك أن تضعها على مقعد استرخى بينك وبينها مترقبًا منتظرًا. فانصعت لطلبها راضيًا مسرورًا. في ذلك اللقاء لم تقل لك ولا كلمة واحدة دون قصد، كل الكلمات خبأت وراءها حمولات كبيرة من المعاني والمقاصد. فهمت حينها بحسّك الموسيقي المُرهف كلَّ ما قالته لك، فهمت أنها سبق وتعلّمت موضوع الموسيقى في كلية الفكر الجديد. وأنها تبحث عن طريقة لمواصلة الدراسة، دون أن تلهيها دراستها عن واجباتها الاجتماعية المعتادة في بيئتها الرفيعة الراقية. ما فهمته حينها انها تطلب منك أن تكون معلمها المنشود.. دون أن تطلب منك.. فأبناء الذوات ينتقون كلماتهم بحذر حتى لو صمتوا دهرًا..
في اللقاء الثاني.. عرضت عليك قطعةً موسيقية من تأليفها، وطلبت منك اجراء تعديلات إذا تطلّب الامر.
في اللقاء الثالث.. جرى بينكما حديثٌ عميقٌ ما زالت كلماتُه تحلّق في اذنك:
أنت: اعتقد اننا بتنا صديقين.. بإمكاني أن أكون صريحًا معك..
هي: أعتقد أننا بتنا أكثر من صديقين.
حينها تجاهلت انهيالات العوالم الموسيقية على مخيّلتك، ولذت بفرارك المالس الناعم، كعادتك.. غيّرت الموضوع. اتخذت مجلس مُعلّم الموسيقى المبجّل المتواضع، وتوجّهت إليها:
-قطعتك الموسيقية تحتاج إلى الكثيري من التشذيب.. والاضافة..
حينها خرجت المرأة من داخلها. اقتربت منك أكثر.. هل يمكنك.. تنفيذ ما تقترحه. فخرج الرجل من داخلك أكثر واقترب منها: بالطبع يمكنني. وشرعت في إعادة بناء تلك المقطوعة.. موقّعًا اياها على ايقاعات تمنّيتها طوال ايام العمر ولياليه.. فطرقت بابك للحظة والتو. بسرعةِ المغرم العارف انتهيت من إعادة صياغة المقطوعة. وقدّمتها لها. تناولتها بيدٍ راعشةٍ. تناولت قلمهًا وأعادت نسخها.. بأظفار يديها المهذبة الراقية الساحرة.. قدّمت لك النسخة الجديدة من مقطوعتها.. كانت نفس مقطوعتك المعادة صياغتُها.. سرّك انكما تضربان على وتر واحد.. فامتدحت مقدرتها.. ما دفعها للاقتراب منك اكثر. وأنت ما زلت تذكر.. وهل تنسى مثل هكذا موقف؟ ما زلت تذكر قصة روتها عليك.. مفادها أنها هربت دائما من الحب.. وأنها عندما شعرت بميل لاحد موسيقيي البلد.. هربت بجلدها بعيدة عنه.. حينها سألت نفسك عن سبب روايتها تلك القصة في تلك اللحظة الصافية بالذات وجاءتك الاجابة: انها تودّ الاقترابَ منك أكثر. لحظتها توجّهت إلى نافذة بيتها بدعوى سخونة الاجواء.. وحلّقت مع الطيور السابحة في سمائها.
** وتمضي في طريقك باتجاه بيتها في الاعالي الحبيبات.. تغذ السير.. تطوي الارض طيًا.. تمشي حينًا وتحلّق آخر.. الطريق الطويل يضحي قصيرًا..
تدنو من باب بيتها المرصع بالفضة والذهب.. تدنو بخفر وحياء..
ترفع يدك لتقرعه..
تتردّد..
تتراجع..
تسمع نغماتٍ موسيقيةً ساحرةً تأتي من بعيد..
تعود على اعقابك.. مفضّلًا مواصلة الحلم.

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق