اغلاق

مقال | قوانين اسرائيل تحسم : اليهودية أهم من الديمقراطية

لم تكن الأحداث والمواجهات الأخيرة التي شهدتها منطقة النقب في جنوب البلاد، والتي كانت شرارتها الآنيّة والفوريّة قضيّة تحريش الأراضي، مجرّد خلاف على الملكيّة بين

 
المحامي زكي كمال

المواطنين العرب الذين يؤكّدون أنّهم أصحاب الأراضي بحكم وجودهم فيها منذ مئات السنين، وقبل إقامة دولة إسرائيل.، وتشهد على ذلك " كواشينهم " ومقابرهم وقراهم، وبالتالي يحقّ لهم كمواطنين في دولة تسودها الديمقراطيّة التمثيليّة، زراعتها وفلاحتها وإقامة منازلهم فوقها، وعلى السلطات توفير الإمكانيّات التخطيطيّة والبنيويّة والبنى التحتيّة التي تكفل لهم  ذلك، وهو ما لم تفعله إسرائيل منذ أربعة وسبعين عامًا، وبين السلطات التي  لا تكتفي باعتبار أراضيهم " أراضي دولة"، وهو ما يعني في كافّة دول العالم أن تكون الأراضي ثروة يستفيد منها كلّ من يقيم في الدولة، بل تعتبر أراضي الدولة " أرضًا  يهوديّة " يستفيد منها المواطن اليهوديّ فقط، كما لم تكن هذه المواجهات مجرّد خلافات حول المواقف والتوجّهات، بل حول المنطلقات والأجندات والأيديولوجيّات على الأقلّ، من قبل الحكومة والسلطات، رغم ما حملته من تأثيرات وإسقاطات على الساحة السياسيّة والحزبيّة عامّة في إسرائيل والساحة الائتلافيّة خاصّة بحكم كون الائتلاف الحكوميّ برئاسة نفتالي بينيت اليمينيّ ووزيرة داخليّته إييلت شاكيد، يضمّ ولأوّل مرّة حزبًا عربيًّا  هو القائمة الموحدة التي تنتمي إلى الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة التي يشكّل النقب ساحتها الأساسيّة ومورد أصواتها الأوّل والأكبر وحلبة مركزيّة لتأييدها، رغم رحيل ممثّل النقب في هذا الحزب النائب المرحوم سعيد الخرومي.

" البناء حق قانوني "
ليس ذلك فحسب، بل إنّ هذه المواجهات لم تكن مجرّد تعبير عن ضائقة سكنيّة يعانيها المواطنون العرب في النقب أسوةً بباقي إخوانهم في المثلث والجليل والكرمل، والذين يعيشون اليوم وبعد 74 عامًا من إقامة إسرائيل في القرى والمدن نفسها التي عاشوا فيها قبلها، دون أن تكترث الدولة بإقامة مدن أو قرى جديدة لهم، باستثناء مدينة رهط وموقع واحد أو اثنين في النقب ليس حبًّا ولا كرمًا، بل رغبة في " تجميع أكبر عدد منهم في أقلّ مساحة ممكنة "، عبر تسويات اضطرّوا فيه الاختيار بين السيّء، قبول الانتقال إلى قرى ومدينة جديدة لا تلائم نمط حياتهم البدويّ، وبين الأسوأ، التهجير ومصادرة أراضيهم وهدم بيوتهم بحجّة البناء غير المرخّص، وليس غير القانونيّ كما تسميه السلطات، فالبناء حقّ قانونيّ للمواطن وترخيصه واجب على السلطات، ناسية أو متناسية أنّهم كغيرهم ممّن على وجه البسيطة يزدادون عددًا ويتزوجون ويتكاثرون، وبالتالي يستوجب ذلك توسيع مناطق نفوذ قراهم وتمكينهم من إقامة منازلهم ومنازل أبنائهم وأحفادهم، فهم مواطنون تضمن لهم الديمقراطيّة حقّهم هذا في كافّة دول العالم الديمقراطيّة دون شروط، بل إنّ هذه المواجهات كانت أبعد من ذلك. وهو ما تؤكّده حقيقة صغيرة غابت عن أذهان الكثيرين في خضم الصور والأشرطة المصوّرة والاعتقالات والإصابات والإجراءات القضائيّة ووسط تصريحات ناريّة تراوحت بين اعتبار اليمين والليكود للأحداث انتفاضة وأعمال شغب واعتداءات على اليهود وفقدان الدولة سيطرتها على النقب و" تقهقرها أمام غزاة الأرض " خضوعًا لإملاءات منصور عباس، رئيس القائمة الموحّدة الشريكة الائتلافيّة، وبين اعتبارها حدثًا تدهور دون مبرّر أو محاولة من السلطات لترحيل العرب والسيطرة على أراضيهم، أو ما تبقّى منه كما أكّد النشطاء العرب وأنصارهم من اليسار في إسرائيل .
في خضم الأحداث تجاهل الكثيرون حقيقة هامّة قوامها أنّ سلطة أراضي اسرائيل، من تدعي ملكيّتها للأرض، هي هيئة مدنيّة تخطيطيّة خاضعة للحكومة (وزارة المالية أو الداخليّة أو الأسكان وفقًا لقرارات الحكومة)، تشكّل سلطة تملك مساحات شاسعة من الأراضي تخصّص بحكم كون إسرائيل ديمقراطيّة أو تدّعي ذلك، لخدمة المواطنين كافّة يهودًا وعربًا، رغم أنّها تنتهج تمييزًا واضحًا ضد العرب، لكن من قام بأعمال التحريش هي " الكيرن كييمت " أو الصندوق القوميّ اليهوديّ الذي يملك مساحات شاسعة من الأرض تخصّص لليهود فقط ضمن ما يسمّى " تخليص الأرض أو تحريرها "، وهي هيئة لا تكاد تخضع لأوامر الحكومة، وبالتالي كانت المواجهات في الحقيقة فصلًا إضافيًّا في مسلسل متواصل منذ قيام الدولة بين الديمقراطيّة واليهوديّة في إسرائيل، أو بين كون إسرائيل دولة ديمقراطيّة تضمن المساواة، ولو ليست كاملة بين مواطنيها اليهود وغير اليهود، أو كونها دولة يهوديّة تضمن لليهود مكانة فوقيّة بينما يعيش الباقون مرتبة متدنيّة من الحقوق والتسهيلات، وتكرّس كافّة مقدرات الدولة لخدمة اليهود أصحاب البلاد، دون غيرهم، أو حتى على حساب أراضي وممتلكات وحقوق غيرهم.

" صراع ونزاع داخلي "
رغم مرور أربعة وسبعين عامًا على قيامها، تمكّنت من خلالها وباعتراف العدو قبل الصديق، من إرساء اقتصاد مزدهر وتكنولوجيا رائدة وتقنيّات رائعة، وتحوّلت إلى القوة العسكريّة الأولى في المنطقة انتصرت في كلّ حروبها أو معظمها، ما زالت إسرائيل تعيش صراعًا ونزاعًا داخليًّا مع نفسها ومع هويّتها، بل حول هويّتها ومستقبلها، وهو صراع يعتبره الإسرائيليّون اليهود كلّ من موقعه، التهديد الأكبر لوجودها إيمانًا منهم بأنّ زوال الأخطار الخارجيّة والتهديدات التي كانت تشكّلها الدول العربيّة المحيطة بها، يفتح الباب أمام الخلافات الداخليّة، انطلاقًا من الحقيقة بأنّ " العدو الخارجّي يضمن اللحمة الداخليّة " التي تنتهي بنهاية التهديدات الخارجيّة لتحلّ محلّها الصراعات المريرة حول ديمقراطيّة الدولة ويهوديّتها وتركيبتها الطائفيّة، ومن هو يهودي وغير ذلك من القضايا التي تمسّ النسيج الداخليّ الإسرائيليّ.
صراع إسرائيليّ الذاتيّ أو الداخليّ، ومحاولتها حسم هويّتها كدولة ديمقراطيّة أو يهوديّة أو يهوديّة وديمقراطيّة ليس جديدًا لكنّه لم يكن بارزًا نظرا لظروف سياسيّة إسرائيليّة داخليّة ملخصها أنّ القيادة اليهوديّة الغربيّة أو الإشكنازيّة التي أقامت الدولة كانت صهيونيّة علمانيّة أوروبيّة الثقافة والتربية بعيدة عن الدين، وهو ما اتضح في قضية " الحريديم " الذين أراد قادتهم المتدينون منذ قيام الدولة ضمان دراستهم للتوراة في المدارس الدينية ( اليشيفوت) بشكل دائم وبتمويل من الدولة، الأمر الذي عارضه دافيد بن غوريون مؤسّس دولة إسرائيل ورئيس وزرائها الأوّل في البداية لتجري بعده اتصالات ومفاوضات ومراسلات مع الحاخام الرئيسيّ لإسرائيل، إسحق هليفي هرتسوغ، جدّ رئيس الدولة الحالي انتهت إلى اتفاق توصّلت إليه جماعات وأحزاب اليهود المتدينين المتزمّتين الحريديم، التي لا تعترف بالصهيونيّة وإنما باليهوديّة، مع بن غوريون، في المراحل الأولى من قيام الدولة، قضى بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكريّة تحت شعار " توراتهم حرفتهم "، كما جاء في الرسالة التي وجّهها بن غوريون يوم 9 كانون الثاني 1951 إلى كلّ من مدير عام وزارة الدفاع ورئيس أركان الجيش جاء فيها: " بموجب البند 12 من قانون الخدمة الأمنيّة، أعفيت طلاب المدارس الدينيّة من الخدمة العسكريّة النظاميّة. هذا الإعفاء يسري على طلاب المدارس الدينية المنكبّين، فعليًّا، على دراسة التوراة في المدارس وطالما ظلّوا كذلك " أُضيفت إليه رسالة  الحاخام إسحق مئير ليفني، الذي أصبح وزيرًا للرفاه الاجتماعيّ وزعيم الحزب المتزمت الدينيّ " أغودات يسرائيل " لاحقًا، إلى دافيد بن غوريون وطالبه فيها بإعفاء 400 طالب في المدارس الدينيّة من واجب التجنّد للجيش، وهو ما وافق عليه بن غوريون، لكنّ الأمر طفا على السطح بشكل واضح منذ اعتلاء اليمين الحكم عام 1977 ووصول عدد أكبر من أبناء الطوائف اليهوديّة الشرقيّة الذين وصل آباؤهم من دول عربيّة ( ما زالوا يحنون إلى بلادهم الأصليّة ويريدون زيارتها وتطالب إسرائيل بتعويضات عن "أملاكهم" هناك بينما لا يستطيع الفلسطيني في القدس الشرقيّة زيارة بيته الذي سيطرت عليه إسرائيل في القدس الغربيّة ومنحته ليهودي، ولا يستطيع العربيّ داخل إسرائيل العودة إلى بيته في قريته التي تمّ تهجيره منها )، ويمتازون بمحافظتهم الدينيّة والتزامهم بتعاليم التوراة أسوة بالحال في الشرق الأوسط والدول العربيّة  وقرب مواطنيها من كافّة الديانات إلى التعاليم الدينيّة، إلى مناصب رسميّة، وفي هذا يقول الأستاذ يديديا شتيرن من جامعة بار إيلان ، أنّه " سيطرت قيم الديموقراطيّة الاجتماعيّة لليهود العلمانيّين من أصل أوروبيّ في الأربعين عامًا الأولى من قيام الدولة العبريّة، ولكن مع قدوم مجموعات جديدة، بينها يهود أتوا من دول عربيّة، عزّز القوميّون الدينيّون واليهود المتشدّدون موقعهم كقوّة سياسيّة بارزة "، ناهيك عن ازدياد قوة الحركات الاستيطانيّة الدينيّة التي تعتبر التوراة شريعتها ومنارتها، ولعلّ أفضل مثال على سيرورة النزاع أو الاختلاف الداخليّ في اسرائيل حول الديمقراطيّة أو اليهوديّة، هو الفارق بين ما جاء في وثيقة الاستقلال، التي صاغها وأعلن عنها عام 1948مجلس الشعب، وهو البرلمان المؤقّت في إسرائيل، والتي جاء فيها أنّ " إسرائيل  ستكون دولة مفتوحة الأبواب للهجرة اليهوديّة وللمّ الشتات، وتدأب على تطوير البلاد لصالح سكانها جميعًا، وتكون مستندة إلى دعائم الحريّة والعدل والسلام مستهدية بنبوءات أنبياء إسرائيل، وتحافظ على المساواة التامّة في الحقوق اجتماعيًّا وسياسيًّا بين جميع رعاياها دون التمييز من ناحية الدين والعرق والجنس وتؤمّن حريّة العبادة والضمير واللغة والتربية والتعليم والثقافة، وتحافظ على الأماكن المقدسة لكلّ الديانات، وتكون مخلصة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة "، ومثلها قانون الأساس، كرامة الإنسان وحريته لعام 1992، وبين ما جاء لاحقًا في قوانين سنّها البرلمان الإسرائيلي منها قانون القوميّة الذي أقرّه الكنيست الإسرائيليّ في 19 تموز 2018، بأغلبيّة 62 ومعارضة 55 وبامتناع نائبين عن التصويت، والذي جاء فيه أنّ " إسرائيل هي الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ، وأنّ الحقّ في تقرير المصير الوطنيّ في دولة إسرائيل هو أمر خاصّ بالشعب اليهوديّ، وأن الدولة ستعمل على ضمان سلامة وأمن أبناء الشعب اليهوديّ، وعلى الحفاظ على التراث الثقافيّ والتاريخيّ والدينيّ للشعب اليهوديّ في الشتات اليهودي "، كما جاء أيضًا أنّ " الدولة تنظر إلى الاستيطان اليهوديّ كقيمة وطنيّة ومن ثمّ سوف تعمل على تشجيع وتعزيز إنشاء المستوطنات وتطويرها " مع أهميّة الإشارة هنا إلى أنّ القانون لم يذكر كلمة " ديمقراطيّة " أو " مساواة " في صياغته، ولم يشر إليها، بل اكتفى بالإشارة إلى الهويّة اليهوديّة للدولة، مع تجاهل واضح  للمواطنين العرب داخل إسرائيل وحقوقهم في وطنهم التاريخيّ عبر نزع صفة الرسميّة عن اللغة العربيّة ومنحها " مكانة خاصّة " دون شرح أو تفصيل أو تفسير لمعنى هذه الخصوصيّة، وبالتالي واستنادًا إلى ما سبق فإنّ الاختلاف حول الدولة اليهوديّة أو الديمقراطيّة أدى  إلى صعود جدل داخليّ حول المعنى العمليّ لدولة يهوديّة وديمقراطيّة، وحول الإمكانيّات العمليّة للتوفيق بين اليهوديّة من جهة، وبين الالتزام في ذات الوقت بالديمقراطيّة، مع الإشارة إلى أنّ هذه النقاشات تشكّل اعترافًا صريحًا، أو على الأقلّ  ضمنيًّا، في الجانب الإسرائيليّ بالفارق أو التناقض بين منح الدولة صفة تعبّر عن مركّب قبليّ وطائفيّ ودينيّ هو اليهوديّة، ومركّب إنسانيّ عالميّ يساوي بين المواطنين هو الديمقراطيّة، فالأول يقصي ويبعد والثاني يساوي ويوحِّد.

" محطات عديدة "
وبين هذا وذاك كانت محطّات عديدة أكّدت أنّ إسرائيل تسير بخطىً واثقة من الديمقراطيّة إلى اليهوديّة وتتحوّل من دولة ديمقراطيّة إلى دولة يهوديّة، كما قال القاضي أهارون باراك وفي معرض قرار الحكم الذي أصدره بما صار يعرف لاحقًا بقضية عادل قعدان ضدّ دائرة أراضي إسرائيل، إذ قال: " دولة إسرائيل هي دولة يهوديّة تعيش فيها أقليّات من بينها الأقليّة العربيّة، وكلّ واحدة من هذه الأقليّات تتمتّع بمساواة كاملة. صحيح، لقد أعطي مفتاح خاصّ للبيت لأبناء الشعب اليهوديّ (قانون العودة) لكن بمجرّد أن يكون الشخص في البيت بحسب القانون، فإنّه يتمتّع بكافّة الحقوق مثل باقي أبناء البيت. لا يوجد إذًا أيّ تناقض بين كون إسرائيل دولة يهوديّة، وبين كونها دولة ديمقراطيّة تضمن مساواة تامّة بين كلّ مواطنيها "، ثمّ إلى دولة اليهود وفق " قانون العودة " من العام 1950، الذي يمكّن كلّ يهوديّ حول العالم من أن يتلقّى الجنسيّة الإسرائيليّة في اللحظة التي يهاجر فيها إلى إسرائيل، علمًا أنّه يشمل أبناء وأحفاد اليهود، وأبناء وبنات أبنائهم وأحفادهم أيضًا، مع الإشارة إلى أنّه لا يوجد أيّ قانون موازٍ يضمن حق الفلسطينيّين في العودة إلى بلداتهم التي هجِّروا منها، حتى وإن ولدوا داخل إسرائيل، لأهالٍ فلسطينيين لاجئين، بل إنّ هناك قانون يمنع الفلسطينيّين والفلسطينيّات على إحدى جهات الخط الأخضر من الزواج  من فلسطينيّات وفلسطينيين على الجهة الأخرى يسمّى، رسميًّا " قانون المواطنة" ولدى العرب والفلسطينيّين "قانون منع لمّ الشمل" فهو يضمن " المواطنة لليهود" ويمنعها عن الفلسطينيّين والعرب.
لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تحوّلت إسرائيل بفعل قانون القوميّة إلى " دولة لليهود فقط " ما يعني أنّ الذي يحمل المفتاح (كما جاء في قرار القاضي أهارون براك) أعطى نفسه الحق في التعامل مع " البيت " على أساس أنه " بيته فقط " ، ويتناسى أنّ من يمنعه من الدخول ( المواطنون العرب ) هم على الأغلب ساكنه الأصليّ وليسوا سياحًا أو مهاجرين جدد، فقانونا القوميّة والعودة يعطيان حق الدخول لكلّ يهود العالم ويحرمان الفلسطينيّين حتى من حقّ زيارة إسرائيل، وهو ما يهدف إليه قانون " من هو يهودي " بنصّه الجديد الذي يقترحه وزير الشؤون الدينيّة متان كهانا، وهو يهوديّ متديّن، فعله لزيادة أعداد أولئك الذين يمكن للقانون أن يتيح وصولهم إلى إسرائيل، عبر استبدال آليّة تقرير من هو يهوديّ من الحاخاميّة الرئيسيّة التي تسيطر عليها اليهوديّة الأرثودكسيّة المتزمتة، بآليّة جديدة تتيح لمجلس الحاخامات على مستوى المدن أن يقرّر في عمليّة التهويد، وبالتالي ستتوزع الصلاحيّات على عدد كبير من مجالس الحاخامات، على العكس من مؤسّسة الحاخامات العليا المهيمن عليها من قبل الحريديم، لأنّ مجالس الحاخامات على مستوى المدن تعتبر متنوّعة وبعضها يسيطر عليه تيار الصهيونيّة الديني الليبراليّ، وهذا من شأنه أن يتيح لأيّ شخص يرغب بدخول سياق التهويد أن يختار مجلس حاخامات معين لتبنى طلبه، وبالتالي من المتوقّع أن تحلّ مشكلة الإسرائيليّين الذين يصل عددهم إلى 500 ألف، والذين يعتقدون أنّ عمليّة تهويدهم ستكون معقّدة في حال ظلّت تحت مسؤوليّة مجلس الحاخامات الأعلى المتشدّد، أي أنّ الاعتبار الأوّل للقانون يتعلّق بصراعات بين التيارات الدينيّة  اليهوديّة المختلفة، أمّا الاعتبار الثاني فهو اعتبار صهيونيّ، ويتعلّق بتوسيع نطاق الهجرات الجماعيّة إلى إسرائيل.

" هجرة جماعية "
في هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى الخلاف أو الاختلاف بين المعطيات الرسميّة الحاليّة والتي تحكمها صيغة " قانون العودة " الحاليّة، وتقول أنّ عدد اليهود في العالم يبلغ نحو 15 مليون شخص، منهم حوالي 6.7 مليون في إسرائيل وحوالي 8 ملايين في الخارج، ما يعني أنّ نبع المهاجرين المحتملين، أي اليهود، آخذ بالنفاذ، وبين معطيات لجنة عينها  نفتالي بينيت، وزير " الشتات اليهوديّ " في العام 2018 كانت قد أعلنت بأنّ عدد اليهود  خارج إسرائيل يجب ألَّا يقتصر على 8 ملايين شخص، بل إنّ هناك أكثر من 60 مليون شخص آخر تربطهم صلات مختلفة بالشعب اليهوديّ، ولا بدّ لدولة إسرائيل من أن تنظر إليهم أيضًا، وبالتالي فإنّ مشروع القانون الجديد في هذا السياق يتيح تهويد فئات واسعة من الأشخاص من الـ 60 مليونًا، وليس فقط من داخل من يتمّ اعتبارهم " يهودًا أنقياء "، ما يعني ببساطة أن تتم زيادة أعداد اليهود في إسرائيل عبر هجرات جماعيّة كتلك التي شهدتها إسرائيل في تسعينيّات القرن الماضي حين استقدمت ملايين المواطنين اليهود، أو شبه اليهود من أصل روسيّ(بعضهم ما زالت الحاخاميّة الرئيسيّة في إسرائيل ترفض الاعتراف بيهوديّته ويبلغ عدده نحو 500 ألف)، بينما تحدّد الدولة اليهوديّة زيادة أعداد غير اليهود أو العرب بالزيادة الطبيعيّة في تكريس لأغلبيّة يهوديّة ساحقة وأقليّة عربيّة صغيرة لا تجرؤ على المطالبة بحقوق قوميّة أو جماعيّة، بل تكتفي شاكرة ممتنّة بحقوق مدنيّة يقدّمها أصحاب البلاد وفتات من الميزانيات التي ستكون مشروطة بالاعتراف بشرعيّة " الوطن القوميّ لليهود"  وزيف الفلسطينيّة حول ذلك، وهو ما يؤكّده أنّ إسرائيل لم تعد تكتفي بمطالبة الدول العربيّة والفلسطينيّين بالاعتراف بحقّها في الوجود ( اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد والعرابا )، بل أصبحت تشترط أيّ اتفاق سلام أو مصالحة بالاعتراف بها كدولة يهوديّة، وهو النهج الذي خطّه بنيامين نتنياهو متعذّرًا به لرفض التفاوض مع الفلسطينيّين وفاقه في ذلك نفتالي بينيت رئيس الوزراء الحاليّ.
الخلاصة واضحة وهي أنّ قرار إسرائيل بالامتناع عن صياغة دستور مكتوب عند إقامتها عام 1948 لم يكن كما يبدو، قرارًا عشوائيًّا، بل إنّه قرار مدروس، إذ تمّ منذ ذلك الحين تغيير الواقع على الأرض لصالح اليهود على حساب العرب ، عبر ما سمى " قوانين الأساس " التي سمحت بصياغة القوانين الجديدة بشكل مستمر لتكريس " الدولة اليهوديّة " بدلًا من الديمقراطيّة، وضمّ الجولان وشرقي القدس، وقانون أساس القوميّة أو قانون " الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ "، الذي أرادت إسرائيل من خلاله حسم التناقض البنيويّ القائم في مقولة "دولة يهوديّة وديمقراطيّة" التي تتصدّر قوانين الأساس كلّها، لمصلحة يهوديّة الدولة، إذ يهدف هذا القانون إلى إرساء الأيديولوجيّة ومواقف اليمين الدينيّ والقوميّ رسميًّا وتثبيتها في الدستور، وإجهاض أيّ نزعة مدنيّة ترمي إلى الوصول إلى دولة المواطنة، أو أن تكون الدولة لجميع مواطنيها، كما يشرعن التمييز القائم ضد العرب في الداخل قانونيًّا ويضع سقفًا لتطلّعاتهم وشروطًا لممارستهم اللعبة الديمقراطية الإسرائيليّة، وباختصار فإنّه حسم النقاش لصالح " دولة اليهود " أو الدولة اليهوديّة، وأعلن وأد " الدولة اليهوديّة والديمقراطيّة " بكلّ ما يعنيه ذلك وهو ما اتضح خلال النقاش الذي أجرته الكنيست حول قانون الكهرباء قبل نحو أسبوعين وتحدّث خلاله عضو الكنيست وليد طه من القائمة العربيّة الموحدة ، باللغة العربيّة، ليواجه بصيحات الليكود واليمين وملخصها أنّ " إسرائيل هي دولة اليهود وبالتالي عليه  الحديث بالعبريّة "، أو صيحات " اذهب إلى سوريا " ، ما يعني أنّ إسرائيل اليوم هي دولة تقترن فيها المواطنة المدنيّة بالتعريفات الدينيّة، أو أنّها حوّلت الهويّة الدينيّة اليهوديّة إلى موازٍ للجنسيّة والمواطنة الإسرائيليّة، وهو ما ينذر بالخطوة القادمة وملخصها أنّ  الهويّة اليهوديّة الدينيّة هي شرط أساسيّ للهويّة المدنيّة، وصولًا إلى دولة العرق الواحد، هذا بعد وفاة حلّ الدولتين،  ويبدو أنّ إسرائيل قرّرت أنّ هويّتها اليهوديّة أكثر أهميّة من ديمقراطيّتها. وهذا لا يحمل الخير ليس لمواطنيها العرب فحسب، بل أيضًا للإسرائيليين اليهود في نهاية المطاف.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق