اغلاق

د. اثار حاج يحيى تكتب : اللّغة العربيّة جوهر كياننا وكينونتنا

ليست اللّغة العربيّة مجرّد كلمات وألفاظ جميلة وجذّابة بشكلها، وهي ليست مجرّد زركشات وألعاب لغويّة تسرّ العين وتأسر القلب؛ بل هي جوهر كياننا وكينونتنا، هي مرآةُ تحضّرنا


آثار حاج يحيى

 

وانعكاس موروثنا وحضارتنا.
هي مركّب جوهريّ في هويّتنا القوميّة، فقد قال في وصفها الشّاعر حليم دموس:
"لا تلمني في هواها     أنا لا أهوى سواها
لستُ وحدي أفتديها     كلّنا اليوم فداها"
مشيرًا بضمير "النّا" إلى الشّعوب العربيّة الّتي تجمعها اللّغة العربيّة باعتبارها مركّب أساسيّ في هويّتنا القوميّة.
اللّغة العربيّة، أيضًا، جوهر الهويّة الدّينيّة الإسلاميّة، فهي لغة القرآن:
{إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلّكم تعقلون}
وهي كذلك جوهر قضيّتنا الوطنيّة، ومن أجمل من عبّر عن ذلك محمود درويش في قصيدته "قافية من أجل المعلّقات"، فقال:
"ما دلّني أحد علي. أنا الدليل، أنا الدليل
إليّ بين البحر والصحراء. من لغتي ولدت
على طريق الهند بين قبيلتين صغيرتين عليهما
قمر الديانات القديمة، والسلام المستحيل
وعليهما أن تحفظا فلك الجوار الفارسي
وهاجس الروم الكبير، ليهبط الزمن الثقيل
عن خيمة العربي أكثر. من أنا؟ هذا
سؤال الآخرين ولا جواب له. أنا لغتي أنا،
وأنا معلقة... معلقتان... عشر، هذه لغتي
أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات:
كن
جسدي، فكنت لنبرها جسدًا. أنا ما
قلت للكلمات: كوني ملتقي جسدي مع
الأبدية الصحراء. كوني كي أكون كما أقول!
لا أرض فوق الأرض تحملني، فيحملني كلامي
طائرًا متفرعًا مني، ويبني عش رحلته أمامي
في حطامي، في حطام العالم السحري من حولي،
على ريح وقفت. وطال بي ليلي الطويل...
هذه لغتي قلائد من نجوم حول أعناق
الأحبة: هاجروا
أخذوا المكان وهاجروا
أخذوا الزمان وهاجروا
أخذوا روائحهم عن الفخار
والكلأ الشحيح، وهاجروا
أخذوا الكلام وهاجر القلب القتيل
معهم. أيتسع الصدى، هذا الصدى،
هذا السراب الأبيض الصوتي لاسم تملأ
المجهول بحته، ويملأه الرحيل ألوهة؟
تضع السماء علي نافذة فأنظر: لا
أرى أحداً سواي..."
إلى جانب من يرى بالعربيّة مجرّد ألفاظ وكلمات رقيقة وجذّابة، هنالك من ينظر إليها باعتبارها قناة تواصل لا غير. ومن هذا المنطلق الفكريّ المشوّه والمحدود الّذي لا يرى بالعربيّة أبعد من كونها أداة تواصل، تبرز أصوات تنادي بنسف العربيّة المعياريّة (Standard Arabic) والإبقاء على اللّهجة المحكيّة (ٍSpoken Arabic) كحلّ لظاهرة الازدواجيّة اللّغويّة (Diglossia)، الّتي تشكّل صعوبة على الطّالب العربيّ المُطالب باكتساب اللّغة المعياريّة، العبريّة والإنجليزيّة إلى جانب اللّغة العربيّة المحكيّة.

من هذه الأصوات أذكر مقالا قرأته مؤخّرًا لضابط المخابرات אבי שלו يطرح من خلالها حلًّا سحريًّا عبقريًّا للتخلّص من الصّعوبات اللّغويّة الّتي يواجهها الطّالب العربيّ في إسرائيل، وقد جاء هذا المقال ردًّا على مقال سابق للبروفيسور يوسف مشهراوي (منشور في نفس الموقع)، أشار الأخير من خلاله إلى الصّعوبات اللّغويّة الّتي تشكّل تحدّيًا أمام الطّالب العربيّ الّذي يدرس في المؤسّسات الأكاديميّة والجامعات الإسرائيليّة. وتكمن عبقريّة الحلّ الّي يقترحه אבי שלו في أنّه لم يجتهد في البحث عن طرائق وأساليب واستراتيجيّات تساهم في تعزيز مكانة العربيّة استنادًا إلى نتائج بحثيّة-علميّة؛ بل دعا إلى إلغاء العربيّة المعياريّة بشكل كامل!!! (على اعتبار أنّ النّسف الهدّام أسهل بكثير من البناء أو الإصلاح).
"על מנת לחלץ את הערבים הישראלים מהמשבר שבו הם נתונים, ולא רק בתחום מערכת החינוך, יש לבטל את מעמדה של השפה הערבית במדינת ישראל ובמקומה יש להכיר בשפה הפלסטינית הדבורה כשפה רשמית שנייה לצד העברית".
فهل كان الكاتب على وعي ودراية متعمّقة لتبعات اقتراحه السّحريّ هذا، الّذي يدعو بطيّاته إلى إلغاء كياننا وكينونتا وإرثنا الحضاريّ، أم أنّه تعمّد كتابة مقترح ملفت ومثير للجدل فقط لا غير؟ أو ربّما تعمّد بمقترحه هذا طمس ملامح هويّتنا الجمعيّة؟ وكما قال الشّاعر إيليا أبو ماضي "لستُ أدري!"   

 


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق