اغلاق

المحامي زكي كمال يكتب : وجع الاستفاقة من وهم الديمقراطيّة

وتأبى الحياة الحزبيّة والسياسيّة في إسرائيل، وفي مواجهة من اعتقد أنّها مختلفة، وأنّها كاتمة للسرّ تتساوق، لخصوصيّة حالة الدولة وحداثة عهدها وطغيان الاعتبارات

 
المحامي زكي كمال

 القوميّة والعسكريّة والدينيّة فيها، مع رغبات السياسيّين وسياساتهم المعلنة وتضليلهم الإعلاميّ محليًّا وعالميًّا، ومحاولاتهم إخفاء الحقيقة واستبدالها بوهم يدوم ويدوم، إلا أن تثبت للجميع أنّها كما في غيرها من الأماكن والمواقع والبلدان، بحر واسع من المتناقضات والغموض، تتراوح  أوضاعه بين الهدوء والعاصفة، والسكينة والصخب، تؤكّد ما فيه من لين وقسوة وغدر ووفاء، وأنّها كما البحر يهدأ طويلًا فيحتفظ لنفسه بأسراره، ثمّ ما يلبث أن يثور دون ميعاد بأمواجه العاتية ليلفظ ما بجوفه من قعره حتى سطحه، فيُظهِر ما كان خافيًا وتَتَكشَّف حقائق لم تكن معروفة للجميع، أو أنّها كانت معروفة لبعض العارفين بخبايا الأُمور ممّن اعتقدوا أنّ الأمواج العاتية لن تأتي، أو أنّ قوتها لن تصل حدّ كشف المستور كلّه، بل كشف الحقيقة بكاملها.

"  واحة الديمقراطية "
هذا ما يحدث في اسرائيل خلال العقد الأخير عامّة والأعوام الأربعة الأخيرة خاصّة، والتي تراكمت فيها الأحداث  بكثافة غير مسبوقة تفوق ما حدث منذ قيامها، لتخلق رسمًا جديدًا للحياة السياسيّة عامّة وللديمقراطيّة خاصّة، وهي التي اعتادت إسرائيل بسلطاتها الرسميّة وإعلامها أن تتغنّى بها، ومن على كافّة المنصّات المحليّة والعالميّة المتاحة وحتى غير المتاحة بأنّها " واحة الديمقراطيّة الوحيدة الثابتة والراسخة في الشرق الأوسط ". وهو ادّعاء استيقظ المواطنون في إسرائيل مؤخّرًا على زيفه، عبر أحداث تلاحقت متلاطمة كموج البحر الذي ينحت الصخر، ويرسم عليه شارات وعلامات لا يمكن محوها، فها هي الحلبة السياسيّة والممارسة الديمقراطيّة اليوم تعيش وقع ونتائج ما فعلته أيدي السياسيّين خلال الأعوام الأخيرة، ابتداءً من ترهّل النظام البرلمانيّ والممارسات الديمقراطيّة والفصل بين سلطات الحكم بسبب تكرار الانتخابات، وعدم إقرار الميزانيّات وإبقاء المناصب الهامّة لسلطات تطبيق القانون شاغرة، ومنها منصب المفتش العامّ للشرطة والمدّعي العامّ، مرورًا بتراكم تهم الفساد ولوائح الاتهام لرئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو ومعه وللمرّة الثانية وزير داخليّته السابق أرييه درعي ووزير الصحة السابق  يعقوب ليتسمان وعضوي الكنيست دافيد بيطان وحاييم كاتس وغيرهم وغيرهم، تضاف إليها قضيّة الغواصات التي شكّلت الحكومة لها لجنة تحقيق رسميّة بعد أن فاحت منها رائحة الفساد الماليّ والإداريّ، ظاهريًّا على الأقلّ، كما تحتّم الاعتبارات القضائيّة أن نقول، ولتكشف حقيقة الديمقراطيّة المزيفة   التي حاولت تكريس حقيقة أنّ إسرائيل هي " منارة للأغيار ودولة يسود فيها القانون والعدل "، وهي الحقيقة التي حطّمها، بل نسفها مؤخّرًا خاصّة، شبان التلال والمستوطنين عبر اعتداءات على الفلسطينيّين وتدمير لمحاصيلهم دون وازع أو رادع، وانتهاءً بالكشف عن استخدام الشرطة لبرنامج بيغاسوس الذي صنعته شركة " NSO "، للتجسس على مواطنين إسرائيليّين، من بينهم رؤساء بلديّات وقادة احتجاجات سياسيّة ضد رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، وموظفون حكوميّون سابقون.
إنّ هذه المراقبة أو القرصنة لم تتم تحت إشراف المحكمة، ولم تطلب الشرطة أمر تفتيش، أو تنصّت لإجراء المراقبة، كما انعدمت الرقابة على البيانات التي تجمع، أو على طريقة استخدام الشرطة لها، أو كيفية توزيعها على وكالات التحقيق الأخرى مثل هيئة الأوراق المالية وسلطة الضرائب وغيرها.

" مشهد جديد "
جملة من الأحداث، تراكمت وتزاحمت في تسلسلها الزمنيّ، خلال أقلّ من عقد من الزمن، ومن شأنها أن تفرض مشهدًا جديدًا في إسرائيل، خاصّةً على المسار السياسيّ الداخليّ، ملخصه انهيار ما تتغنّى به أجهزة الإعلام الإسرائيليّة من أضاليل عن " واحة الديمقراطيّة "، وما تردّده كذلك وفي تناغم ملحوظ معها بعض أجهزة الإعلام الغربيّة، وقوامه زيف الديمقراطيّة الإسرائيليّة ووهنها بكافّة مركّباتها، ومنها الفصل بين السلطات وسيادة القانون وحريّة المواطن وكرامته وحقوقه التي لا يمّسها أحد، وضمان خصوصيّته وأسراره الخاصة، وحريّة التظاهر والمعارضة، وفوق كلّ ذلك وقبل كلّ ذلك ما تشمله الديمقراطيّة من منظومة قيميّة متكاملة تحتم نزاهة ونقاء اليدين لكلّ من يخوضها من قياديّين ومسؤولين، وترسم معالم ما هو مسموح وما هو محظور على صعيد التصرّفات الماليّة والشخصيّة  في كافّة مناحي الحياة، وتغليب المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة والأهمّ من ذلك مساءلة المسؤولين عن أخطائهم ورفض اعتبارهم فوق أيّ مساءلة أو محاسبة، يحقّ لهم فعل ما يشاؤون ومتى يشاؤون.
أقول هذا ويحضرني قول الشاعر المصريّ نجيب سرور من أنّ الوهم هو حقيقة في عقل صاحبه، وأنّ الحقيقة هي وهم اتفق مجموعة من الناس في لحظة ما على صحّته، وهو كما يبدو حال الديمقراطيّة في إسرائيل، والتي كانت في السنوات الأخيرة وهمًا اتفق الجميع كذبًا على اعتباره حقيقة، خاصّة في زمن كثرَ فيه مَن يَبيعُ الوهمَ في زمن تنويم العَين والأُذن، أو بالأحرى زمن غضّ الطرف عن الكبائر والأخطاء التي ارتكبتها السلطات، أو الشركات الخاصّة طالما كانت هذه الكبائر موجهة تجاه الغير، أو الأغيار أو العرب أو كتلك التي أمكن اعتبارها تجارة رابحة تدرّ المال دون أن تسبّب الأضرار لمواطني الدولة، لكنّ التطوّرات الأخيرة أماطت اللثام عن ذلك، وخلقت حالة جديدة تختلف عمّا كان الحال عليه من حيث بيع الأسلحة عبر شركات أسّسها كبار ضباط الجيش، لمن هبّ ودبّ، وربما لدول " معادية " كما حدث أكثر من مرّة عبر محاولة البعض منهم بيع أسلحة لإيران، أو دول أفريقيّة دكتاتوريّة، وصولًا إلى مسٍّ بأقرب المقربين عبر تقنيات التجسّس انتجتها شركة " إن.إس.أو " التي استخدمت برمجيّاتها للتجّسس على زعماء دول لها في دعم إسرائيل الباع الطويل ومنها فرنسا وغيرها، أو تمكين أنظمة دكتاتوريّة من ملاحقة الناشطين في المعارضة السياسيّة والمدنيّة ومحاولة اعتقالهم، أو المسّ بهم كما حدث في قضيّة قتل الصحفي السعوديّ جمال خاشقجي في قنصليّة السعوديّة في إسطنبول، بعد تعقّبه بواسطة برنامج بيغاسوس للتجسّس، وهو ما دفع السلطات الأمريكيّة إلى وضع شركتي التجسّس العسكريّة الإسرائيليّتين " إن.إس.أو" و " كانديرو "، واللتين  تطوران برمجيّات تتبّع لهواتف الصحفيّين ونشطاء حقوق الإنسان، على القائمة السوداء في محاولة للتصدي لتهديد المراقبة المتزايد من قبل شركات التكنولوجيا، إذ أكّدت السلطات الأمريكيّة أنّ برامج التجسّس التي طورتها هاتان الشركتان تسمح بقمع عابر للحدود للحكومات الأجنبيّة، وتمكّن من تعزيز ممارسات الحكومات الاستبداديّة لاستهداف الصحفيّين والنشطاء وإسكات المعارضة الخارجة عن سيادتها، وهي ممارسات تهدّد سيادة القانون والنظام الدوليّ.

" ديمقراطية مطاطة "
ورغم خطورة ما سبق وتأثيراته على علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وغيرها، إلا أنّ الديمقراطيّة الإسرائيليّة المطاطة، كانت على استعداد وقدرة لاستيعاب ذلك، وإبداء قدر كبير من التفهّم باعتبار الأمر كما قالت الشركات وكما ألمحت الحكومة أيضًا، قضيّة تجاريّة أساء فيها المستخدمون لهذه التقنيات والبرامج من دول وهيئات وأفراد، استخدامها وحرفوها عن أغراضها، فهي بالأساس " برامج إيجابيّة ومباركة تهدف إلى مكافحة الإرهاب وملاحقة الإرهابيّين وضمان عالم يخلو منهم " لكنّ مشتريها اساءوا استخدامها وبالتالي فالمسؤوليّة تقع على عاتقهم، حتى وقع المحظور، واتضح أن " الحال من بعضه "، وأن بيغاسوس لا يعترف بالحدود ولا بلون بطاقة الهويّة فهو وبنفس النجاعة يتجسس على من يحمل جواز السفر السعوديّ، أو الفرنسيّ، وعلى من يحمل الهويّة الخضراء من الفلسطينيّين، ومن يحمل الهوية الزرقاء إسرائيليًّا في تأكيد للقول إنّ الانزلاق إلى المنحدر وتآكل الديمقراطيّة يبدأ بخطوات صغيرة تغضّ الطرف عن المسّ بحقوق وحريّة وجسد الآخرين بعيدًا عن حدود الدولة، ثمّ ينتقل هذا المسّ لا محالة  إليها، في حالة اسرائيل هذه المرّة، عبر استخدام جهاز الأمن العام – الشاباك -  وبدعم وتفهم وموافقة المحاكم العسكريّة والمدنيّة، لكافّة الوسائل المتاحة لمراقبة من هم خطر أمنيًّا وجنائيَّا، وملاحقتهم وخرق خصوصيّاتهم، بل واستخدام معلومات يتمّ استقاؤها من هواتفهم، تتعلّق بحياتهم الشخصيّة وميولهم الاجتماعيّة وحتى الجنسيّة وعلاقاتهم الخاصّة، للضغط عليهم أو لمواجهتهم وردعهم عن القيام بنشاطات تعتبرها السلطات الإسرائيليّة معادية أو مناوئة، وهو ما حذّر منه الكثيرون من أنّ الاحتلال إنّما يُفسد الممارسات، وأنّ القوة المطلقة إنّما هي الطريق الأكيد نحو دوس الحريّات دون رادع.
وهو ما اتضحت صحته من المعلومات التي رشحت، ومفادها أنّ المفتش العام السابق للشرطة روني الشيخ، وهو أحد كبار مسؤولي جهاز الشاباك، جهاز الأمن العام، ونائب رئيسه، الذي أجازت له المحاكم في إسرائيل انتهاك الديمقراطية وتقويضها عبر أساليب تحقيق غير مُراقبة وتنصّت للهواتف دون رقابة، أجاز  ومعه من سبقه وهو يوحنان دانينو، استخدام برامج التجسّس لمتابعة تحرّكات المواطنين، وأنّ الحال استمر إبان عهد وزير الشرطة السابق أمير أوحانا أحد أكبر المدافعين عن نتنياهو، وأحد أعداء أجهزة تنفيذ القانون، وهو أيضًا أحد خريجي جهاز الأمن العام الشاباك، ليتمّ عبر برامج التجسّس تعقّب معارضي نتنياهو ومنظمي احتجاجات الأعلام السوداء التي استمرّت عامين بشكل أسبوعيّ دون توقّف، وهم من وصفهم أوحانا بأنهم " فوضويّون ينشرون الأمراض "، بل حاول عبر الضغط المباشر على قادة الشرطة منعهم من الاحتجاج أمام منزل رئيس الوزراء في شارع " بلفور " في القدس، خاصّة أنّ الاحتجاجات اكتسبت زخمًا بالتزامن مع جائحة كورونا وفرض عمليات الإغلاق الأولى، وارتفاع مستوى القلق من أداء حكومة نتنياهو، وقد بُذلت حينها جهود لتقليل حجم الاحتجاجات من خلال استخدام الأدوات القضائيّة والإجرائيّة مع زيادة الشرطة للقوة والعنف ضد المتظاهرين ولاسيّما قادتهم، وليتم استخدام برامج التجسّس لملاحقة منظمي هذه المظاهرات والإشارة إلى أنّ أحدهم هو " مثلي "، وبالتالي تصريح بعض قادة الشرطة بأنّه يمكن استغلال ذلك لممارسة الضغط عليه أمام عائلته (متناسين ميول أمير أوحانا الجنسيّة وكونه مثليا أقام أسرة مع شريك حياة رجل ولهما ابنة وابن)، ولكن ما دام الأمر لا يتعلق به فالغاية تبرّر الوسيلة.

" انزلاق نحو المنحدر "
هذه المعلومات كانت بمثابة انهيار مدماك آخر من مداميك الديمقراطيّة الإسرائيليّة، وكانت انزلاقًا آخر نحو المنحدر يزيل وهم الديمقراطيّة، خاصة أنّه اتضح أنّ التعقّب أو التنصّت أو التجسّس، وكلّها أوصاف ملائمة، تمّ بقرارات من  ضباط شرطة رفيعي المستوى سمحوا لأنفسهم ولمرؤوسيهم بمراقبة مواطنين إسرائيليّين يهود ليسوا مجرمين أو مشتبهًا فيهم، ببرامج تجسّس بيغاسوس سيّئة السمعة دون أمر أو إشراف قضائيّ، كما أنّ من نفذوا الأوامر كانوا أعضاء في وحدة الإنترنت للعمليّات الخاصّة للشرطة التي يتمتّع نشاطها بالسريّة التامّة، إضافة إلى " هاكرز" جندتهم الشرطة من خارج صفوفها، دون الاكتفاء بذلك، بل إنّ الشرطة اخترقت في السنوات الأخيرة أيضًا هواتف اثنين من رؤساء البلديّات اللذين كان يشتبه في فسادهما، والعديد من المواطنين الإسرائيليّين الآخرين الذين لا علاقة لهم بالاحتجاجات ضد نتنياهو. كلّ ذلك دون أمر من المحكمة أو إشراف قاض، أي أنّ البرمجيّات القادرة على اختراق الهواتف النقالة بسهولة، والتي استخدمتها حكومات قمعيّة، تحوّلت إلى برمجيّات استخدمتها أجهزة تنفيذ القانون والخاضعة للحكومة في إسرائيل لملاحقة ومتابعة مواطنيها خدمة لزعيم واحد وتكريسًا لسلطانه وملاحقة واضطهادًا لمعارضين أدّوا دورهم الديمقراطيّ وحقّهم المدنيّ، بل واجبهم في النظام الديمقراطيّ وهو المطالبة بنقاء اليدين والشفافية والمساءلة والمطالبة بنموذج قيميّ يغلِّب المصلحة العامّة على مصلحة الزعيم، وليس العكس وهو ما يميّز الدكتاتوريات.
وفي اسرائيل كما في إسرائيل، لا تتحرّك الأقلام والسلطات ولا تُسمَعُ الاحتجاجات إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس، أو في الوقت المستقطع والضائع بلعبة كرة القدم، لكن يبدو وعملًا بالمثل الدارج في إسرائيل أنّ " محاولات إغلاق البوابات بدأت بعد هروب الخيول من الحظيرة " وبعد فوات الأوان، فإنّ التاريخ يؤكّد أنّ أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات لا تتنازل عن طيب خاطر عن " قوّة اكتسبتها " ولو بشكل غير قانونيّ، بل تبقيها ماثلة وقائمة تشكّل تهديدًا ضمنيًّا، أو أنّها سلاح في أيدي من يريد من السياسيّين، أو رجال الشرطة والعسكر لإخافة المواطنين ومنعهم من حريّة التعبير، بل تكريس الاستبداد والفساد، عملًا بقول هوغو بلاك  المحامي والسياسي والقاضي الأمريكيّ، إذ قال إنّ مؤسّسي الدستور الأمريكيّ عرفوا أنّ حريّة التعبير هي صديق التغيير والثورة، لكنهّم أيضًا عرفوا أنّها أخطر أعداء الاستبداد والفساد، وهذا ما تشهده الديمقراطيّة الإسرائيليّة التي قبلت طيلة عقود شرعنة احتلال شعب آخر وإباحة دم أبنائه وتخوين مواطني إسرائيل العرب، والتمييز ضدهم وتشريع قوانين تعني أنّها دولة لليهود تقترب من الفصل العنصريّ، وهلّلت وسائل إعلامها وكبّرت لنشاطات عسكريّة وتجسّسيّة في العالم طالما استفادت منها إسرائيل، ولم يتضرّر منها مواطنوها، حتى لو كانت نتيجتها اغتيالات نشطاء فلسطينيّين، أو خبراء نوويّين إيرانييّن، أو المساهمة بمعلومات استخباريّة في تمكين أمريكا مثلًا من اغتيالات طالت البعض، فالساحة بعيدة والنتيجة. وكما قال المثل العربي:" حايد عن ظهري بسيطة"، كما صَمَّت الأجهزة القضائيّة المدنية والعسكريّة بكافّة هيئاتها آذانها عن شكاوى الفلسطينيّين حول اعتقالهم إداريًّا وتضييق الخناق عليهم، ما دامت الغاية وفق الرواية الإسرائيلية (الحفاظ على الأمن حتى لو كانت جزافًا ) تبرّر الوسيلة. وهو ما حدث أيضًا خلال الحكم العسكريّ الذي خضع له العرب في إسرائيل حتى العام 1966، ولكنّ هذه سنّة الحياة فقوّة أجهزة الأمن لا تعرف الحدود ولا تعرف الشبع، فهي أجهزة تريد بطبيعتها المزيد من القوّة والسيطرة ثمّ المزيد، خاصّة إذا كان من يرأسها قرّر إخضاعها لأهواء السياسة، وقبِل بخرق الديمقراطيّة وتفتيتها، فالغاية هي تكريس حكم من يعتبره قائده، وبالتالي فهي تبرّر كلّ وسيلة.

" ادعاءات أمنية "
ما يحدث في إسرائيل من ضعف للديمقراطيّة وتنازل طوعيّ للمواطنين عنها بادّعاءات أمنيّة لا مبرّر لها، يذكّرني بالجدل القائم حول الحديث عن التعدديّة والديمقراطيّة في العالم العربيّ، خاصّة أنّ البعض وخاصّة الفئات الحاكمة، يرى أنّ الحفاظ على الأمن والاستقرار أولى، وأنّ الحريّات إذا ما اتّسعت إنّما تهدّد الأولويّات الأمنيّة وبالتالي على الديمقراطيّة والحقوق الديمقراطيّة أن تنتظر تغيّر الحال، وأن تتنازل للأمن. وعلى المواطن أن يقبل بسلّم " ماسلو"  ديمقراطيّ معوّج لا تكون الحريّة والمساواة في المكان الأوّل، ولا الثاني، بل إنّها تختفي وتتلاشى مقابل الأمن كما تصيغه السلطات، وسط صمت للمواطنين يجسّد قول مارتن لوثر كنج:" المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار". وإذا ما أمكننا اعتبار القضاة في إسرائيل من الأخيار، كما في الديمقراطيّات الحقيقيّة، فإنّ صمتهم هو ما سمح لهذا المسّ المتزايد بالديمقراطيّة، حتى أنّ القاضي المتقاعد إلياكيم روبنشتاين تعرّض لهجوم كاسح، لأنّه أوصى بتنحية رئيس شعبة التحقيقات في الشرطة، الضابط موشيه مزراحي، لأنّه تنصّت على مواطنين دون تصريح قانونيّ، وخلافًا لقرارات المحكمة، علمًا أنّ مزراحي حظي بدعمٍ ودفاعٍ مستميت من المدعية العامّة في حينه القاضية عدنا أربيل، التي قرّرت في نهاية المطاف أنّ لا مكان لأيّ خطوات عقابيّة بحقّه، غير مكترثة بأنّه تصرّف خلافًا للقانون، في تساوق خطير مع مواقف شعبويّة سائدة تقول إنّ غاية مكافحة المجرمين والإجرام تبرّر الوسيلة وهي التعقّب والتنصّت. وهي وسيلة تستخدمها الشرطة اليوم بشكل انتقائيّ لملاحقة المجرمين في المجتمع اليهوديّ، كما حدث في جريمة مقتل المقاول ألداد بيري في مركز البلاد، والتي استطاعت الشرطة حلّ رموزها خلال أسبوعين مستعينة ببرمجيّات التعقّب والتنصّت المتطوّرة، دون أن تمارس ذلك في المجتمع العربيّ الذي قتل العام الماضي نحو 130 من أبنائه، وتحلّ الشرطة لغز نحو 20% من جرائمه فقط، بمعنى أنّها انتقاء يصبّ في مصلحة اليهود فقط ومصلحة الشرطة دون أن يكون وسيلة لضمان أمن المواطن وحريّته وكرامته كما تنصّ الديمقراطيّة، بل إنّه نقيض الديمقراطيّة، إذ يستند إلى تكريس لعدم المساواة، وكأنّ السلطات والشرطة تقول:" إذا أردتم الأمن فاسمحوا لنا أن نتجاوز الحدود، وأن نمسّ بمن نعتبرهم نحن، خارجين عن القانون- وهو تعريف يتغيّر ويتبدّل بتبدّل المواقف والأيام، فغايتنا هي أمنكم وهذا يستحق منكم التغاضي عن ظلمنا "، خلافًا لقول مرتن لوثر كنج: "الظلم في مكان ما يمثل تهديدًا للعدل في كلّ مكان"، الذي لا بدّ من تعديله، ليصبح أنّ الظلم في مكان واحد، وإذا ما قبلناه، سيصل كافّة الأماكن، وأنّ قبولنا بالمسّ بالديمقراطيّة والتنازل عن الحقوق، ولو كان لمرّة واحدة سيتكرّر ألف ألف مرّة، وسنعتاد عليه فمن يهن  أوّل مرّة يسهل الهوان عليه كلّ مرّة.

" تحريض على الجهاز القضائي "
حملات انتخابيّة متتالية، رفض للحسم الديمقراطيّ ومقاطعة للبرلمان وشلّ لنشاطاته وتحريض على الجهاز القضائيّ وتخوين للمواطنين العرب، وإقصاء لهم من مواقع اتخاذ القرار وشرعنة للاستيطان وسلب أملاك ومصائر الفلسطينيّين، وقبول لتصدير برمجيّات وأسلحة ندرك جميعًا أنّها ليست لإحلال السلام، بل للقتل والقمع وغيره، ودعم لدول بعيدة عن الديمقراطية لغاية في نفس يعقوب وصفقات عسكريّة يشوبها ألف سؤال وسؤال، ومواطنون يخضعون صاغرين للمسّ بحياتهم وحياة غيرهم دون استئناف، أو معارضة طالما أقنعتهم السلطات والحاكم أنّ ذلك لمصلحتهم. وشرطة تتنصّت خلافًا لقانون على مواطنيها العاديّين، ومن غير أصحاب السوابق الجنائيّة، وتواصل إنكار كلّ ما حدث في هذا السياق. كلّها علامات حمراء ونقاط خطيرة تؤكّد ما سبق وقلته من أنّ الديمقراطيّة الإسرائيليّة أصبحت هشّة كبيت العنكبوت، وأنّ التغنّي بها لا يسمن ولا يُغني من جوع، وأن الإصرار على عدم الاعتراف بضعفها وإنكار حالة الوهن التي تعتريها، إنّما هو إنكار يعكس الخوف من وجع الاعتراف بوهن الديمقراطيّة، ودفن للرؤوس في الرمال خشية رؤية المعالم الواضحة لما يحمله المستقبل، وهو خطير للغاية،  هذا رغم أنّ العجز أو الخوف من الاعتراف بالحقيقة، وهي أنّ الديمقراطيّة الإسرائيليّة هشّة .

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق