اغلاق

ثرثرة فوقَ النَّافِذة ، بقلم: فتحية عبد الفتاح

كعادتها في كلّ صباح، توجَّهت ام نصَّار نحو النَّافذة المُطلة على الزَّقاق الضيّق الذي يفصل بين نافذتها ونافذة ام سمير لتجدها بانتظارها .


الصورة للتوضيح فقط - تصوير simpson33 iStock 

- صباح الخير يا ام سمير.
- صباح النور والبَركة، ما بك يا ام نصَّار؟ اراك اليوم مُرتاحة أكثر مِن الأمس، عسى الأخبار اليوم جيّدة بدون حوادث أو اعتقالات في الحي، هيّا أفرغي ما بجعبتك.
أخذت ام نصّار نفسًا عميقًا وهي تُثبِّت وقفتها على النَّافذة:
- سلامة عقلك يا ام سمير، ومِن أين ستأتي الأخبار السارَّة؟ أنت تعرفين القدر وغِطاءه في هذا الحي. مسكين هذا الشّاب، منذ أن ترك الميتم وخرج منه إلى عالم لا مَكان فيه لضعيف ولا لحمل وديع، وحياته تسير على هذا المنوال، إعتقال ثمَّ سجن، لا يكاد يخرج مِن السجن حتى يعود اليه مِن جديد، يلفّقون له، التّهمة وراء التّهمة، ويُلبِّسوها له، مُستغلّين عوزه وجوعه رغم أن لا ناقة له فيها ولا جمل، كلّ هذا مُقابل حفنة مِن الشواكل القذرة النجسة يستعين بها لتدبير أموره.
- والله يا ام سمير لو حدث زلزال في الصين لقالوا هو مَن حرَّك طَبقات الأرض واتهموه بالسبب.
ضحكت ام سمير وقالت باستهزاء:
- لربَّما هو وراء نشر هذا الفيروس، ذكريني ما اسمه يا ام نصار؟
- كورونا، الكورونا يا ام سمير حمانا الله من شرّه وأبعده عنّا.
- مسكين هذا الشاب كل أصحاب العمل والورشات ترفضه ولا تعطيه أيَّة فُرصة.
- ومَن يقبل بخريج سجون يا ام نصَّار؟
- لا يا ام سمير، نحن مَن يعيش في سجن كبير، نعيش في عالم ضبابي كله زيف وتنكّر، أصبحنا نشعر غُرباء في هذه الدنيا، مزيّفون نلبس أقنعة العفّة والإستقامة، الخائِن يدَّعي الشّرف والمروءة وهو قوَّاد، والحرامي يدَّعي الأمانة، والكاذب يُصبح صادقًا، والجاهل يدَّعي العلم والمعرفة، والتَّافه يعتقد أنَّ لولاه لانهار سقف العالم على مَن فيه. الكل يلبس قناعًا يُخفي وراءه حقيقتهُ، فبضيع التَّقدير ويختلط الكذب بالصّدق والحقيقة بالوهم، ويكثر الحِقد والرَّياء. الفرق بين سجننا هذا والسجن أنَّ في السّجن تسقُط الأقنعة، ويصبح كلّ شيء واضح وحقيقي، فاللص يعترف بسرقتِه، والخائِن يعترف بخيانتِه، والقاتِل يعترف بجريمتِه، لا أحد هُنا يدَّعي ما ليس له. أصبح السجن أنظف وأكثر امنًا من سجننا الذي نعيش فيه أكاد أخال الحرَّاس في السجن يقفون لحراسة من فيه مِن شرّهم في الخارج، نزلاء السّجن ينعمون بالأمن أكثر منّا يا ام سمير.
- انت اليوم متشائمة جدًا يا ام نصار.
- ليته مجرّد تشاؤُم يا ام سمير بل هو واقع نعيشه كلَّ يوم. ليتنا نستفيق على واقع أفضل ممَّا نحنُ فيه.
جرس الباب يُقرع في بيت ام نصّار، ويقطع عليهن الحديث، أقفلت نافذتها وتوجهت إلى الباب تفتحه، وهي تمني النَّفس بأخبار سارة، لحظات وعادت لعملها الصباحي، تسترجع أحداث الأمس وتستعد ليوم جديد
- صباح الخير يا ام سمير، لعلك جئت بالأخبار السارَّة هذا اليوم.
هزَّت ام نصار راسها قائلة:
- اعتقلوه! لكني أكاد أّجزم لك أنَّه بريء هذه المرَّة براءة الذّئب مِن دم يوسف.
- ومن أحرق منجرة مسعود النَّجار إذن، إنْ لم يكن هو يا ام نصّار؟
- انا لا اعرف من حرق المنجرة لكني أعرف مَن قبض الثَّمن هناك شيئًا غريبًا يا ام سمير، هذه المرَّة لم تكن ككُل المرَّات.
- ماذا يعني قولك هذا؟ انا لا افهمك اليوم يا ام نصَّار؟
هذه المرّة بدت الأمور هادئة وتمَّ الاعتقال دون ايَّة مُقاومة.
ثم أقفلت النافذة.
 

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق