اغلاق

بين انهيار ائتلاف وقيام آخر - بقلم: المحامي زكي كمال

لم يكد يجفّ الحبر الذي خُطَّت به كلمات خطاب وداع نفتالي بينيت منصبه رئيسًا للحكومة السادسة والثلاثين واستقبال يائير لبيد هذا المنصب خلفًا له، بعد اتفاقهما على

 

المحامي زكي كمال

حلّ حكومة التغيير غريبة التركيب والتشكيل، لعجزها عن ضمان أغلبيّة برلمانيّة وخشية حلّها بأصوات المعارضة ( التي تحدث رئيسها بعد ذلك مباشرة )، وصولًا إلى الانتخابات البرلمانيّة القادمة التي ستُجرى قبل نهاية العام الحالي، وربما نهاية تشرين الأول.
ولم يكد صدى التصريحات يخفت، حتى اتضحت المعاني، وهي كثيرة ومتشعّبة تتراوح بين الخطير والأخطر. وبانت معالم المرحلة القادمة عامّة وملامح المعركة الانتخابية القريبة وهي الخامسة على التوالي التي تشهدها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، سبقتها أربع انتخابات انتهت إلى نفس النتيجة، وهي فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة برئاسته.
وهو الذي يخضع اليوم للمحاكمة بتهم تلقي الرشوة وخيانة الأمانة، لتنتهي الرابعة إلى حكومة تغيير ثمانية الأضلاع شملت أقصى اليسار وأقصى اليمين وحزب عربيّ، ما لبثت أن تفكّكت وسط تراشق اتهامات هادئ على الأقلّ حول المسؤول عن تفكيكها، لتؤكّد المؤكّد وتثبت أن تكرار الانتخابات البرلمانيّة لا يشكّل في حالة إسرائيل الحاليّة، الدواء الشافي، ولا العلاج الكافي للأزمة التي تعصف بها، وهي يقينًا ليست سياسية فقط، بل إن تكرارها يعني أن تكرر نفس العمل مرةً تلو الأُخرى، وأن تتوقّع نتيجة مغايرة، وهو ما لن يحدث.

" أسف وفرح "
ردود الفعل كانت متوقّعة في طرفي الخريطة السياسيّة والحزبيّة، بين أسف أعضاء ومركّبات الائتلاف وفرح أعضاء ومركبات المعارضة، وهي ردود تعكس في مضمونها ومفرداتها أوّلًا معالم الأزمة السياسيّة التي تعيشها إسرائيل التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تحسم أمرها بما يتعلّق بصورتها، فهي أقرب إلى تعريفها يهوديّة يمينيّة متدينة تضمن، لو أمكنها ذلك، الحقّ في التأثير والمشاركة السياسيّة والائتلافيّة لنحو ثُلثَيْ مواطنيها فقط، وتحرم منه الثلث الباقي، عبر إقصاء المواطنين العرب من هذا الحيّز، وفق تصريحات غير مسبوقة في تاريخ السياسة العالميّة خاصّة في الدول الليبراليّة، والتي تدّعي الديمقراطية، يؤكّد فيها سياسيّ يطمح لرئاسة الحكومة هو بنيامين نتنياهو الذي خطب ودّ المواطنين العرب في الانتخابات السابقة وطالبهم بمناداته " أبو يائير " دون تكليف ودون رسميّات، أنه يُقصي مُسبَقًا نحو 25% من مواطني الدولة، ويرفض مشاركتهم في الائتلاف الحكوميّ القادم، وأنه يبلغهم مسبقًا أنهم ليسوا جزءًا من اللعبة السياسيّة لأنهم عربٌ، وأن مطالبهم لا تستحقّ الردّ أو حتى العلاج والاهتمام، وأن احتياجاتهم الأساسيّة كمواطنين والمتعلّقة بالتعليم والعمل والأمن الشخصيّ والسكن هي نوع من الابتزاز، وليست حقًا تضمنه لهم مواطنتهم، وليست محاولة لإصلاح غبن بدأ من قيام الدولة عام 1948 ولم ينته بعد، وأن مطالب رؤساء السلطات المحلية العرب من حيث الميزانيات والمشاريع، هي مطالب غير شرعيّة لمجرد كونهم عربًا، لكنها نفسها شرعيّة لزملائهم اليهود، وأكثر من ذلك فحتى غلاة المتطرفين السياسيّين، وأكثرهم عنصريّة وكراهيّة ليس للعرب فقط، بل لليهود اليساريّين والعلمانيّين ومؤيّدي أحزاب المركز والمنادين بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والعيش المشترك بين اليهود والعرب، أي حركة " كاخ " العنصريّة التي اعتبرتها المحاكم حركة إرهابيّة، انبثق عنها حزب سياسيّ هو " عوتسماه يهوديت "- ( القوة اليهودية)، أحقّ منهم بالمشاركة في مواقع اتخاذ القرار، كما أُعلن وزير المالية الأسبق الليكودي يسرائيل كاتس، لأنه حزب " يرأسه يهوديّ يُحِب إسرائيل "، وهي دولة تحوَّل فيها حدث سياسيّ حزبيّ عاديّ ومتوقع  إلى " معجزة ربانيّة " في نظر الأحزاب اليهوديّة المتدينة، التي اعتبرت تفكّك الحكومة " استجابة لصلوات ودعوات اليهود المتدينين لانقاذ لإسرائيل" أو أنهم يعتبرون ذلك إشارة لارادة ربانية ان يكون نتنياهو رئيسًا للوزراء باعتباره المنقذ الوحيد لدولة إسرائيل الذي لا يمكن لأحد غيره إبقاءها يهودّية وبدونه ستضيع هباءً منثورًا.


" الشرارة الأولى "
وإن كان هذا لا يكفي فإنّ التصريحات التي أعقبت تفكّك الحكومة، والتي تشكّل عادة الشرارة الأولى في مضامين الحملة الانتخابيّة القريبة، تؤكّد ثانيًا أنّ التفكّك ليس من نصيب الحكومة والائتلاف فحسب، رغم أنّ مثل هذا التفكّك هو جزء من الحياة السياسيّة والحزبيّة رغم قسوته، بل إن التفكّك أصاب المجتمع الإسرائيليّ في مقتل، فالخلاف لم يعد بين الأغلبيّة اليهوديّة والأقليّة العربيّة، وهذا أمر مفهوم على خلفيّة الحالة السياسيّة السائدة، وأعني النزاع الاسرائيليّ الفلسطينيّ، بل إن الخلاف هو بين معسكرين يصف أحدهما الآخر بأقذع الأوصاف. وهو خلاف بين الأحزاب التي تشكّل " قوى التغيير" التي شكّلت الائتلاف الأخير وبين " قوى الظلام " التي تعارضه، والتي تهدّد بالمسّ بديمقراطيّة إسرائيل وإعادتها الى عصور الظلمات، ومن الجهة الأخرى خلاف بين أحزاب تصف نفسها بأنها " معارضة وطنيّة مخلصة لإسرائيل " وبين " حكومة فاسدة وغير ديمقراطيّة يرأسها رئيس حكومة يملك حزبه ستة مقاعد في البرلمان باعت إسرائيل لحركة الإخوان المسلمين "، بل حكومة خانت المبادئ اليهوديّة وتعيد ملايين اللاجئين الفلسطينيّين إليها، ما يعني نهاية اسرائيل كدولة يهودية.
ووسط هذا وذاك خلافات داخليّة تجتاز حدود المعسكرات، أولها الخلاف بين اليهود المتزمتين  دينيًّا، الشرقيّين ممثّلين بحزب " شاس " والغربيين ممثّلين بحزب " يهدوت هتوراة " وبين " الوافد الجديد سياسيًّا " حزب " عوتسماه يهوديت " ورئيسه إيبتمار بن غفير الذي أصبح نجمًا ساطعًا بين الشباب من أتباع هذه الأحزاب الذين يميلون إلى تأييده، لكونه يدمج بين التزمت الدينيّ والتزمت السياسيّ والعداء للعلمانيّين واليساريّين وطبعًا العرب، وبذلك فهو إنما يسرق منهم مصوّتيهم، ويضعف من قوتهم وتأثيرهم وإنجازاتهم الماليّة والسياسيّة والدينيّة في الائتلاف القادم إذا ما شكلَّه نتنياهو، ما دفع كبير رجال الدين المقرّبين من " شاس " الحاخام يتسحاك يوسف إلى وصفه بعد زيارته للحرم القدسيّ الشريف، بأنه خطر على إسرائيل، وأنه أخرق يسيء للتوراة وتعاليمها، ما يعني أن إسرائيل ستواجه حملة انتخابيّة تجيء وسط تفكّك أواصرها وتحوّل النقاش السياسيّ واختلاف الرأي، إلى عداء وقطيعة ما يجعلها فئات ومجموعات يفرقها أكثر، ما يجمعها تمارس الإقصاء والتخوين. فاليهود تمثلهم اليوم مجموعات متنازعة: شرقيّون وغربيّون وعلمانيّون ومتديّنون وسطيّون، ومتزمّتون " حريديم " بعضهم يعترفون بدولة إسرائيل ولا يلتزمون ببرامجها وسياساتها وقرارات وزاراتها ومضامينها التعليميّة، ومستوطنون يريدون بسط السيطرة الإسرائيليّة على الضفة الغربيّة ومستوطنون لا يكتفون بذلك، بل يريدون معها سيطرة على القدس وبناء الهيكل الثالث، وصراع في معسكر اليمين بين من يريد إسرائيل دولة يهودية أو دولة لليهود أو من يكتفي باعتبارها دولة يهوديّة وديمقراطيّة، وإلى ذلك تضاف قضية المواطنين العرب الذين خاض أحد أحزابهم وهو القائمة العربيّة الموحّدة برئاسة الدكتور منصور عباس، تجربة المشاركة في الائتلاف الحكوميّ لأول مرّة منذ قيام إسرائيل عام 1948، في خطوة تُسَجَّل تاريخيًّا يجب دراسة تأثيراتها بمنظور المدى البعيد دون اختزالها في طيف ضيّق هو الإنجازات الحاليّة والسريعة، أو حتى تقييمها، فهي أي المشاركة، اكبر من أن تختزل في بعدها السياسيّ، بل تفوق ذلك إلى مجالات العلاقة بين إسرائيل الدولة ومواطنيها العرب الذين يشكّلون نحو 25% من تعدادها السكانيّ، وإلى حقوقهم  المدنية كمواطنين أصلانيّين من جهة وكجزء من الشعب الفلسطينيّ والأمة العربية من جهة أُخرى، إضافة إلى الخلاف الداخلي بين القائمة الموحدة المشاركة في الائتلاف والقائمة المشتركة التي بقيت خارجه، لتجد نفسها مع المعارضة التي تضم الليكود وإيتمار بن غفير والمتزمّتين اليهود المتدينين. في حالة تؤكّد أن الساحة السياسيّة الإسرائيليّة تفتقر إلى المنطق، وأنها تتم دون قواعد واضحة، فتتغلّب فيها المصلحة الضيِّقة والفرديّة ( مثلًا رغبة الليكود واليمين بعودة نتنياهو إلى الحكم مهما كلّف ذلك من ثمن ) على مصلحة المواطنين، وبالتالي صوتت المعارضة ضدّ كافة اقتراحات الائتلاف حتى لو كانت تصبّ في مصلحة المواطنين، وحتى مصوّتي الليكود واليمين والمستوطنين.

" انعدام الضوابط "
ملامح الحملة الانتخابيّة القادمة تبدو منذ اليوم مثيرة للقلق من حيث انعدام الضوابط والخطوط الحمراء، وهو ما يشكّل استمرارًا لما كان من عمليّات إقصاء وتخوين وتهديد بالقتل والاغتيال لرئيس الحكومة نفتالي بينيت وأفراد عائلته، والتشكيك بقدراته العقليّة والنفسيّة. وهو ما كان الليكود واليمين قد بدأه في الانتخابات الثالثة قبل نحو عامين ضدّ المرشح لرئاسة الحكومة بيني غانتس، والذي وصفوه بأنه " غير ناضج وغير متكامل الشخصيّة " وواصله رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت الذي وصف بنيامين نتنياهو وأفراد عائلته خاصّة زوجته سارة وابنه يائير، بأنهم يعانون أمراضًا وعاهات نفسيّة وأن زوجته سارة تلقّت العلاج في مصحّة نفسيّة في النمسا.
وهذه قضية لم تكد إسرائيل تشهدها من قبل، حيث سادت حالة من احترام الخصوصيّات الشخصيّة، وذلك رغم أن الحالة النفسيّة للزعماء والقادة في العالم، كانت وما زالت أمرًا يتم تداوله خاصّة بعد الكشف العلنّي عن الحالة الصحيّة والنفسيّة لزعماء تركوا بصمة في تاريخ  ومسيرة دولهم أو دول العالم، ليتضح أن بعضهم كان يعاني مشاكل نفسيّة أثرت على قراراتهم وخطواتهم وعلاقاتهم، فقد كشفت دراسة أعدّتها جامعة أكسفورد عن أن دونالد ترامب الرئيس الأمريكيّ السابق الذي  شكّك البعض في صحته النفسيّة والعقليّة، ومدى قدرته على شغل منصب الرئيس يملك شخصيّة " سيكوباتية "  معقّدة ومن الصعب التنبؤ بأفعالها أكثر من أدولف هتلر، الذي يعتقد الأكاديميّون الذين يدرسون شخصيّته أنه يعانى من اضطراب الشخصيّة الحدّية "  Borderline personality disorder " وأعراضها عدم القدرة على إدارة العواطف، والأفكار والسلوك المتهوّر بشكل فعّال وعدم القدرة على ضبط ردود الأفعال واضطراب الشخصيّة النرجسيّة.
أما جوزيف ستالين زعيم الاتحاد السوفييتيّ من عشرينيّات القرن الماضي إلى عام 1953، والذى حكم من خلال إرهاب الشعب، وقتل الملايين من مواطنيه، فلو تم تقييمه من قبل معايير الصحة العقليّة اليوم فمن المرجّح جدًّا أن يتم تشخيصه باضطراب الشخصيّة النرجسيّة والبارانويا والاكتئاب الهوسيّ، في حين عانى مارتن لوثر كينغ الابن، نوبات اكتئاب حادّة حتى مرحلة البلوغ بعد محاولتين انتحاريتين.
وبالتالي ستكون الانتخابات القريبة حافلة باختراق الخصوصيّات " واللكمات تحت الحزام " والتحريض والتهديد والإقصاء والتخوين، فالانتخابات المتكررة التي شهدتها  إسرائيل ورافقتها لوائح إتهام ضد بنيامين نتنياهو  شكّلت حافزًا لحملة شعواء ضد سلطات إنفاذ القانون كالشرطة والنيابة العامّة والمحاكم اتهمتها بالعمل على قلب نظام الحكم بوسائل قضائيّة وبدافع العداء لليمين ونتنياهو، ولكونه ممثّل " إسرائيل الثانية " أي لليهود الشرقيين والمدافع عن مصالحهم - وهو قول يعاكس الحقيقة فحكم نتنياهو منذ عام 1996 وحتى اليوم لم يحسِّن من حالة اليهود الشرقيين والفقراء والضعفاء والذين يعانون  سوء الخدمات البلدية وقلّة فرص العمل والتعليم، بل إنه مارس سياسة السوق الحر الاقتصاديّة  التي شكّلت خصخصة الخدمات كالمواصلات والخدمات الطبيّة والاجتماعيّة وغيرها المركِّب الأهمّ فيها كما فعلت مارغريت تاتشر في بريطانيا.

" نظام شرق أوسطيّ جديد "
كلّ هذا الوضع لا يتمّ بمنأى عن السياسة العالميّة والإقليميّة فالرئيس الأمريكيّ جو بايدن سيصل إسرائيل منتصف الشهر القادم، وسط أحاديث تتكرّر مرّة أخرى حول نظام شرق أوسطيّ جديد، أو نسخة شرق أوسطيّة من حلف الأطلسيّ، وهو نظام مقترح منذ سنوات طويلة، ومنذ بدء المفاوضات العربيّة -الإسرائيليّة في مطلع التسعينيات، والذي أرّخ له الرئيس الإسرائيليّ الأسبق شمعون بيرس في كتابه الشهير " الشرق الأوسط الكبير ". وهو نظام يرتكز على أسس يستمر المسؤولون الأمريكيّون في تطوير مفهومها كي تسمح للولايات المتحدة بتقليص وجودها العسكريّ في المنطقة، من دون خسارة سيطرتها عليها. فبالإضافة إلى تحفيز الدول العربيّة على الاستثمار أكثر في منظوماتها الدفاعيّة الفرديّة ، وسيحاول المسؤولون الأمريكيّون سيتمّ استخدام هذا التحالف لمواجهة إيران ونشاطاتها النوويّة استخدامه أيضًا لمواجهة نفوذ روسيا والصين المتنامي في المنطقة، أي دعمهما لإيران، وهي محاولة لن تكون سهلة إذ لا توافق كلّ الدول التي سيضمّها الحلف، كما تريده أمريكا على أن إيران هي التهديد الأول لأمنها وسلامتها واستقرارها، ولا توافق على  أن القوة العسكريّة هي الوسيلة الأفضل للتعاطي معها، فالسعوديّة التي سيزورها بايدن في زيارة هي الأولى له،  تواصل التقارب مع إيران وتركيا وولي عهدها محمد بن سلمان الحاكم الفعليّ يزور أنقرة هذا الأسبوع بينما تتواصل المفاوضات لإعادة التمثيل الدبلوماسيّ بين الرياض وطهران، والإمارات العربيّة المتحدة تزيد من زيارات مسؤوليها إلى طهران، وتعزّز التبادل التجاريّ، ليبلغ عشرات مليارات الدولارات سنويًّا.
 أما البحرين صاحبة الأغلبية الشيعيّة فتريد " السلامة فقط " وكذلك قطر التي عانت الحصار بتهمة العلاقة مع إيران، ولم تتراجع عن علاقتها تلك وعن دعمها المالي لحركة " حماس "، ومصر وكذلك العراق الذي يعتمد في نفطه وكهربائه على طهران، وهو ما لم يمنع المتحدّث باسم الخارجيّة نيد برايس من القول إن بلاده ستستخدم جميع الوسائل التي بحوزتها لمواجهة التأثير المزعزع للاستقرار الذي تمارسه إيران في المنطقة ( عبر الحرس الثوريّ وفيلق القدس في سوريا والعراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن  والجهاد الإسلاميّ في غزة  وغيرهم ) مضيفًا أن واشنطن ملتزمة بأمن إسرائيل، مشيرًا إلى أن التحدي الذي تفرضه إيران في منطقة الشرق الأوسط سيتصدّر جدول أعمال الرئيس جو بايدن خلال زيارته المرتقبة لإسرائيل والسعودية الشهر المقبل.
هنا أشير إلى أن الحديث عن " تحالف شرق أوسطي " لمواجهة إيران ( وصفه بنيامين نتنياهو بأنه تحالف الدول السنيّة المعتدلة لمواجهة إيران النوويّة ) ليس جديدًا، فقد كُشف النقاب عنه للمرة الأولى خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعوديّة في أيار 2017، وورد ذكره في البيان الختامّي " إعلان الرياض " بالقول إن التحالف سيساهم في تحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم، وأنه سيشمل دول مجلس التعاون الخليجي ( البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعوديّة والإمارات العربية المتحدة ) ، بالإضافة إلى مصر والأردن والولايات المتحدة. وتتمحور فكرته أساسًا حول الأمن والدفاع، لكن مؤخّرًا تمّت إضافة مجالات اقتصاديّة وسياسيّة للمشروع الذي ما زال حبرًا على ورق، علمًا أن ترامب وحاشيته اختاروا للتحالف اسمًا  بالإنجليزيّة هو " ميسا - MESA"، أي التحالف الاستراتيجي الشرق أوسطيّ، الذي يريدون له أن يعمل على بناء قدرات دول الخليج في مواجهة إيران من دون الحاجة إلى تدخل الولايات المتحدة. وهو الدرس الذي تعلمته واشنطن من تدخلها العسكريّ في العراق وأفغانستان وقبلها في فيتنام، ومن دون أن تحلّ التدخّلات الروسيّة أو الصينيّة محلّ الدعم الأمريكيّ في هذا الإطار، وهو ما تريد واشنطن من خلاله إضعاف العلاقة النفطيّة بين روسيا والسعودية ضمن أوبك، وإضعاف العلاقات الاقتصاديّة بين السعوديّة ودول الخليج والصين التي تدير مشاريع اقتصاديّة عملاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا خاصّة إقامة الموانئ البحريّة وتشغيلها وتنفيذ مشاريع البنى التحتيّة الاستراتيجيّة، لكن وزارة الخارجيّة الأميركيّة تريد توسيع أهدافه، ليشمل أهدافًا استراتيجيّة أوسع. فقد أشار تيم ليندركينغ، نائب مساعد وزير الخارجيّة الأمريكيّ لشؤون الخليج العربي إلى أن التحالف يستهدف إيران، والتهديدات السيبرانيّة، والهجمات على البنى التحتية، وتنسيق عمليات إدارة النزاع من سورية إلى اليمن، جنبًا إلى جنب مع مكافحة انتشار الأسلحة ومكافحة الإرهاب على حدّ وصفه، وبكلمات أخرى فإنه أي الحلف سيواجه كافّة القضايا التي تهمّ اسرائيل وخاصّة ايران النوويّة واتباعها من المنظمات المسلّحة وحرب السايبر الضارية بينها وبين اسرائيل والتي كان آخر فضولها إطلاق صفارات الإنذار في القدس وايلات، ومسلسل مصرع ووفاة خبراء في المشروع النوويّ الإيرانيّ في ظروف غامضة وغريبة، ما يعني أن تكون إسرائيل، أو أمنها الهمّ الأول لبايدن خلال زيارته إلى السعودية، وربما سيعمل على ضمها إلى اتفاقيّات أبراهام ولو تصريحًا، أو باتفاق نوايا لمصلحة رئيس الحكومة الإسرائيليّ يائير لبيد الذي سيلتقيه بايدن خلال زيارته لإسرائيل، خاصّة، أن علاقات بايدن ونتنياهو تتّسم بالعداء الشديد استمرارًا لنهج نتنياهو المسيء للديمقراطيّين ورئيسهم باراك أوباما الذي كان بايدن نائبه، وليس النفط السعوديّ الذي سيكون في المرتبة الثانية، وأن تكون إسرائيل أول المستفيدين وأكثرهم من هذا التحالف،  إذ جدّد وزير الأمن الإسرائيليّ بيني غانتس الدعوة إلى تشكيل هذا التحالف الإقليميّ برئاسة الولايات المتحدة لمواجهة طهران، وقال إن هناك جهودًا لتوسيع التعاون الأمني مع دول خليجيّة، في إشارة إلى أن  تحالف الشرق الأوسط  هذا سيعمل على تعزيز وتسريع دمج إسرائيل في المنطقة، على غرار محاولات سابقة لإلحاق إسرائيل بجغرافيا البحر المتوسط، كما فعلت فرنسا ذلك في إنشائها " الاتحاد من أجل المتوسط ".

" حسم الانتخابات "
فالمحاولة الأمريكيّة لإقامة تحالف الشرق الأوسط لمواجهة إيران والإرهاب، ستعمل بحكم إلحاق إسرائيل بهذا التحالف، على دمج الترتيبات العسكريّة والأمنيّة الإسرائيليّة مع دول عربيّة دون ربطها مع تسوية الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، ويمكن لهذه الخطوة أن تسهّل التعاون العسكريّ في المسائل الإقليميّة، ما يعني  إعادة تموضع للقوات الإسرائيليّة في المنطقة، وهذه الخطوة ستكون بمثابة رسالة لإيران، مفادها أنّ هناك قوة ردع كبيرة، من خلال التنسيق العسكريّ بين إسرائيل والولايات المتحدة.
بين تفكّك ائتلاف التغيير في إسرائيل والانتخابات القريبة، وجهود الولايات المتحدة لخلق ائتلاف إقليميّ شرق أوسطيّ يخدم بالدرجة الأولى أهداف إسرائيل في مواجهة إيران ودمج إسرائيل أمنيًّا وعسكريًّا وتجاريًّا، ومن ثم دبلوماسيًّا في المنطقة مع " فكّ الارتباط " الذي ساد سابقًا بين إقامة علاقات دبلوماسيّة بين الدول العربيّة وإسرائيل، وبين حلّ القضيّة الفلسطينيّة ستدور أحداث الأسابيع القريبة حتى زيارة بايدن إلى المنطقة، ومن ثم حتى الانتخابات التي سيتمّ تجيير نتائج هذه الزيارة ضمن حملتها الانتخابيّة. والسؤال هنا إذن هل ستعود القضايا السياسيّة الإقليميّة والمحليّة والقضايا الأيديولوجية إلى صلب الحملات الانتخابيّة في إسرائيل بما في ذلك بين الأحزاب العربيّة، وهل ستكون العامل الأهمّ الذي سيحدّد نتائجها، وقد يؤدّي إلى الحسم الواضح، أم أن ما كان هو ما سيكون أي انتخابات تدور حول الأشخاص ( وإقصاء بعضهم لأسباب شخصيّة وغير مبدئيّة ) وليس أيديولوجيّة، وبالتالي فإن أغلب الظن أنه لن يؤدي إلى حسم الانتخابات، لتكون الانتخابات القادمة محاولة خامسة بنفس الطريقة بحثًا عبثًا عن نتيجة مختلفة؟ الأيام كفيلة بالردّ.  

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق